إن الرجل الحر حرية فردية مطلقة هو ذلك الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط واحد هو أن يكون كل عمله خيرا، وبرا، واخلاصا، وسلاما، مع الناس..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)

menu search

ساووا السودانيين فى الفقر
الى أن يتساووا فى الغنى

هذا تقويض لقيم المجتمع


إن صور الإنحراف الطبقي وسوء التصرف فى إستخدام الثروة قد أخذت تطفو على السطح، وتعمل على تقويض مجتمعنا وتقاليده، المنبثقة من ميراثه الديني، ومن تراثه الشعبي.. تلك القيم، والتقاليد، التى من أبرز سماتها روح التكافل، والتقارب الإجتماعى، الذى أشارت اليه إفتتاحية جريدة (الجمهورية)، المثبتة آنفا والتى لم تخف خشيتها من ذهاب تلك القيم بفعل ما وضعته أول حكومة وطنية من أساس فى طريق خلق التفاوت الطبقي..
إن هذا الذى حدث، مما روته صحيفة (الصحافة)، لا يدل على سوء الإستخدام، المبدد للثروة الشخصية والقومية، فحسب، وإنما هو غرز لخنجر قاتل فى جسم المجتمع، يصاعد الإتجاه التفاخرى بين الناس ويزيد نار اللهث وراء المظاهر الزائفة التى تهز دواخل أفراد المجتمع، وتفرغها من محتواها الإنسانى..

وقطعة أرض بمليونى جنيه


ومما تتحدث به دوائر المجتمع المختلفة فى العاصمة أن أحد الأثرياء قد اشترى قطعة أرض بمبلغ مليون ومائة وسبعين ألفا من الجنيهات، ثم باعها بنحو مليونى جنيه.. نحن لا نعير أحاديث المجتمع كل الإهتمام، ولكننا لا نهملها كل الإهمال.. فإن صحّ هذا الذى يقولون ألا يسترعى هذا الأمر الإنتباه، ويثير الإرتياب، والجزع؟؟ ذلك بأنه مهما كانت مساحة تلك الأرض، وهى لا تتعدى الألف متر مربع، فهى لا تساوى هذا المبلغ الكبير الذى دفع فيها، لولا وجود هذا الثراء الكبير، السريع، لدى قلة من أفراد هذا المجتمع، من الذين لا يحسنون إستغلال ما بحوزتهم من ثروة.. فلو كان هذا المبلغ استغل فى إنشاء مصنع أو مشروع زراعى فلربما وجد هذا التصرف مبرره.. هذا من جهة سوء استثمار الثروة بإتجاه أصحابها الى التنافس على اقتناء العقارات لأن الإستثمار فيها مأمون العواقب موفور الربح، من غير كد.. وأما من الجهة الأخرى فإن شراء، وبيع قطعة الأرض هذه، وواقعة الصرف البذخى على تلك الزيجات المذكورة آنفا، إنما يشير، كل أولئك الى وجود خلل كبير فى تركيب قطاعات الإقتصاد الوطنى، إن لم نقل وجود فساد واسع فيه، ذلك بأنه من غير المفهوم أن تبلغ، وفى وقت وجيز، ثروة بعض أفراد هذا المجتمع، من التجارة الملايين، فى حين لا يجد سواد هذا الشعب القوت الضرورى الاّ بشق الأنفس.. خل عنك أن تتضخم ثروات بعض الأفراد، هذا التضخم السريع، فى وقت تتجه فيه البلاد الإتجاه الإشتراكى..

أوقفوا هذه الطبقة من التجار عند حدها!!


إن ثانى الخطوات الثورية التى يجب أن نتجه اليها فورا، هى قفل الطريق أمام هذا الإخطبوط الذى أتخم بالثروة على حساب القوت الضرورى لهذا الشعب، وعلى حساب الإقتصاد القومى، بل على حساب قيم وأصالة هذا المجتمع..
إن كبار التجار، الذين يعملون فى الإستيراد، أو الذين يمارسون البيع بالجملة، إنما يحصلون على تسهيلات، من بنوك الدولة، ومن مؤسساتها الإقتصادية والتجارية، يبنون بها ثرواتهم الضخمة، ومع ذلك فإن كثيرا منهم يتسببون، عمدا، فى خلق الضائقة التموينية، بإخفائهم السلع، وبتهريبها، وبيعها فى السوق السوداء.. بل، أسوأ من ذلك!! إن بعضهم ليتواطأ مع الطائفية، ويسّخر إمكاناته لخلق حالة الندرة التى تضايق الشعب، وتثير سخطه ضد السلطة – إن هؤلاء التجار الكبار، يجب أن تسحب منهم فورا أية سلعة، من السلع الضرورية لحياة الشعب اليومية، وأن يحصر عددهم، ومجال عملهم، فى أضيق نطاق..