إن الرجل الحر حرية فردية مطلقة هو ذلك الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط واحد هو أن يكون كل عمله خيرا، وبرا، واخلاصا، وسلاما، مع الناس..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)

menu search

ساووا السودانيين فى الفقر
الى أن يتساووا فى الغنى

لتبدأ السلطة بنفسها


إن اول ما تبدأ به السلطة هو نفسها، فتطامن من غلواء التفاوت فى الدخول بين الحد الأدنى، وبين الحد الأعلى، بدءا برأس الدولة، وكبار المسئولين، السياسيين، والتنفيذيين، ومرورا بكوادر، وأعضاء الأجهزة، والمؤسسات العليا – مجلس الوزراء، والإتحاد الإشتراكى، ومجلس الشعب.. وليبدأ تحديد الفرق بين الحد الأدنى وبين الحد الأعلى للدخول بداية عملية، ولكن يجب أن يكون الهدف هو تقليل هذا الفرق بحيث لا يتعدى العشرة أضعاف، فبهذا وحده يشعر الشعب بأن السلطة هى خادمته، لا سيدته، وأنها تشاركه معاناته، وتقدّرها، وتتعاطف معه، ومن ثمّ، تتجه لمعرفة، ومعالجة مشاكله..
إن إتخاذ مثل هذا القرار يحتاج الى خيال ثورى، والى قدرة ثورية، بهما يتجدد شباب هذه السلطة، ويندفع الدم الحار فى شرايينها.. وعلى أى حال، فليس بأدنى من هذا المستوى مخرج من حالة التفكك، والتسيب، التى أخذت تتداعى إليها الصلة، سواء بين السلطة وبين الشعب، من جهة، أو بين طبقات الشعب نفسه من جهة أخرى!!

خط الجمهوريين المبدئى


إن هذا الخط الثورى الذى ندعو السلطة، والشعب، الى إنتهاجه هو خط مبدئى، قامت عليه فكرتنا منذ نشوئها، عام 1945، ولقد دعونا اليه عند قيام أول حكومة وطنية عام 1954.. وقد وردت تلك الدعوة فى جريدتنا (الجمهورية) التى كانت تصدر فى ذلك الوقت، فقد جاءت إفتتاحيتها بتاريخ 5/2/1954 كما يلى:
(ساووا السودانيين فى الفقر
الى أن يتساووا فى الغنى)
"ما يقرب من أربعين فى المائة من ميزانية البلاد مرتبات موظفين، هذا والمرافق الإقتصادية غير منماة، ولا مستثمرة، ودور العلم، فى مراحله المختلفة، قليلة العدد، ضعيفة النطاق، منحطة المستوى.. والمستشفيات أبعد ما تكون عن الكفاية والكفاءة.. فشعبنا، من جراء كل أولئك، شعب فقير جاهل مريض.. وقد كنّا، فيما مضى، صدقا أو كذبا، نلوم على هذه الحالة السيئة الإستعمار الإنجليزى، فمن عسانا نلوم منذ اليوم؟؟
إن البوارق التى تطالعنا لا تدل على أن هذا الشعب سيكون خيرا حظا مع حكامه السودانيين منه مع حكامه الأجانب.. ولا يظننّ أحد أنى من المتشائمين، كلا!! فليس للتشاؤم فى دنياى مجال، ولكنى ما أحب لنفسى أن تنخدع عن الحقائق، فتنساق فى ركب أمل لم تستقم له المقدمات.. ومهما يكن من أمر فإن الأنباء التى تردنا لا تدل على أن حكومة العهد الحاضر تفكر فى إصلاح ما أفسد الإستعمار بتبديد ميزانية البلاد فى مرتبات الموظفين، فعضو لجنة الحاكم العام السودانى، وعضو لجنة الخدمة العامة، يتقاضى كل منهم ثلاثة آلاف جنيه فى العام الواحد، ويتقاضى الوزير فوق الألفى جنيه فى العام الواحد، هذا الى جانب إمتيازات كثيرة أخرى، فى الوقت الذى نعرف فيه سواد الشعب السودانى يكدح، ليل نهار، ثم لا يكون متوسط دخل أحدهم سبعة جنيهات فى الشهر.. فبأى كتاب يعطى بعض السودانيين، والحالة كما وصفنا، مائتين وخمسين جنيها شهريا؟؟
إن أكبر نسبة يمكن أن يسمح بها بين مرتب سودانى وسودانى يجب الاّ تزيد عن العشرة أضعاف، وهذا فرق كاف للتمييز بين حياة المتعلم وحياة الجاهل.. أما أن يكون الفرق أكثر من الثلاثين ضعفا، فهذا معناه أن يعيش كبار الموظفين فى سودان غير سودان عامة السودانيين.. فهم، بذلك، أجانب، وإن كانوا فى أسلاخ سودانيين.. إن هذا البلد لا يعرف نظام الطبقات، الى اليوم، فيجب الاّ يعرفه منذ اليوم.. فالسودانيون جميعا، يأكلون، ويلبسون، ويسكنون، فى قريب من قريب، ونحن نريد لهذا الوضع أن يستمر، ليتساوى هذا الشعب فى الفقر، ليعمل كتلة واحدة ليتساوى فى الغنى.. فإن هذا أبقى لوحدة قوميته، ووحدة شعوره..
يجب أن يكون هناك حد أعلى للمرتبات، لا يتجاوز المائة جنيه فى الشهر لرئيس الدولة، وحد أدنى للمرتبات، لا ينحط عن العشرة جنيهات فى الشهر لعائل أى أسرة سودانية..
إن كان هناك يوم ما أحب أن أرى فجره فهو اليوم الذى يبدد فيه المترفون من هذا الشعب فضل أموالهم فى مواخير الفساد، بينما يجتر أخوانهم، فى الوطن، وفى الإسلام، أشجان المحروم المحروب.."