إن الرجل الحر حرية فردية مطلقة هو ذلك الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط واحد هو أن يكون كل عمله خيرا، وبرا، واخلاصا، وسلاما، مع الناس..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)

menu search

الإخوان الجمهوريون
في جريدة الأيام السودانية

الخَــاتِمة


نحب أن نؤكد في هذه الخاتمة، أن موقف جريدة (الأيام) هذا، ليس بدعاً بين الصحف، وإنما هو متوقع الحدوث من غيرها، ذلك أن وسائل الاعلان في هذا البلد ككل، لا تفهم أنها وسائل الشعب لنشر الوعي بين صفوفه، وان عليها في هذا لواجباً ثقيلاً لا يطلع به الموظفون المحترفون من أصحاب الهوايات الصحفية والإعلامية، كما هو واقع الحال الآن.. وانما السبيل أن تسعى الصحف، وغيرها من وسائل الإعلام، سعيا حثيثاً، لطرح قضايا الشعب المزمنة، على أهل الفكر، وأهل الرأي، في هذا البلد، وأن توسع لهم من فرص النشر، لعرض تلك الأفكار المختلفة والمتباينة، وأن تثير اهتمام الشعب، واهتمام الكتاب، والمفكرين، بوسائلها المتعددة، ولمتابعة تلك الأفكار، وتلك الآراء، وتحديد موقف منها، في التأييد، أو في المعارضة، على أسس من العملية الناضجة، والمسئولية الفكرية المطلوبة في مثل هذه الظروف.. هذا هو السبيل الذي يجعل من الصحافة، ومن وسائل الإعلام الاخرى، منابر حرَّه، ومسئولة، تأخذ ما لها وتعطي ما عليها، لا وكس، ولا شطط..

الجمهوريون والصحف


إن موقف الصحف، في العموم، من الجمهوريين موقف سلفي، متوارث من عهود الحزبية الطائفية، حيث كانوا يفسحون المجال لكل ما هو ضدنا، ويضيقونه، إن لم نقل يقفلونه، دائماً في وجوهنا.. والسبب في ذلك أن الصحفيين، في هذا البلد، وعلى اختلافهم، وتلون مشاربهم، لم يكونوا، في يوم من الأيام، مفكرين، وانما كانوا، على مر الأيام، سلفيين تابعين للفهم السائد، الذي لا يكلفهم مشقة في تأييده، أو مسئولية في معارضته.. ومن هذا الباب، فان معظم الصحفيين - إن لم نقل جميعهم - لا يطلعون على الفكر الجمهوري.. وأسوأ من ذلك!! أنهم يلتقطون تقويمه من الشارع، وعلى نحو ما رأينا عند السيد رئيس هيئة تحرير (الأيام)، وعلى هذا المستوى من عدم المسئولية، كانت معاملة الصحف للجمهوريين.. فقد رأيناها تنشر، وتحفل، بالغث التافه، مما يكتب ضدنا، وتتمنع من نشر الكلم الطيب في الرد عليه.. ونحن في مطالبتنا للصحف، ولوسائل الإعلام المختلفة بطرح قضايا الشعب على المفكرين من أهل العلم، والرأي، لمناقشتها، وبلورتها، لانقصد بالطبع إفساح المجال للتهافت، وللغثاثة، كما هو كائن اليوم، وكما سبقت إليه الإشارة، وقام الدليل، وإنما نقصد فعلاً الأفكار، ونعني المفكرين الذين يقوون على مواجهة أمهات القضايا، في صبر، وفي مسئولية، وفي سعة أفق، حاسبين، في كل ذلك، حساب الشعب - صاحب المصلحة الحقيقية في التوعية الرشيدة المتكاملة.. وفي هذا المجال فنحن نثق أن الجمهوريين وحدهم في الميدان، ولكننا لا نلزم برأينا هذا أحداً فلتفتح الصحف مجالاتها رحبة، وواسعة، ولتنظر ماذا ترى؟!

الجمهوريون ووسائل الإعلام الأخرى


إن موقف وسائل الإعلام الأخرى، من إذاعة، وتلفزيون، من الجمهوريين، هو نفس موقف الصحف، ولكنه لم يأخذ شكلاً صارخاً، كما هو كائن في الصحف.. ونحن في هذا لا نلقي القول جزافاً، وإنما عندنا الدليل، على تعامل تلك الأجهزة مع أعدائنا في العمل ضدنا، وفي نفس الوقت الذي تحرمنا فيه من الرد عليهم.. ولقد بلغ موقف أجهزة الإعلام حداً من السوء في معاملتنا، تجاوزت به واجباتها وولاءها لهذا الشعب في أدق الظروف، وأحرج المواقف.. فهي مثلاً قصرت في حق الشعب، وفي واجب حماية ثورة مايو، عندما أغفلت، حتى الإشارة – دعك من النشر – لكتبنا التي واجهت مؤامرة سبتمبر، وغزو يوليو، في عنفوانهما، وعلى نحو من قوة الفكر، وحرارة الأسلوب، وصدق المواجهة، لم يتفق، ولا قريب منه، لغيرنا ممن اعتادت تلك الأجهزة افساح المجال لهم كل يوم!!
إن موقف وسائل الإعلام في هذا البلد، كما يحتاج للمراجعة يحتاج للتمحيص، وقبل فوات الأوان، فهل يعي المسئولون هذا الذي نقول؟؟

أجهزة الإعلام والسَّلفيين


إننا يمكن أن نقول، وفي غير حرج، أو حذر، أن أجهزة الإعلام اليوم واقعة تحت نفوذ السلفيين، من رسميين، وغير رسميين.. وانهم يفرضون على تلك الأجهزة نفوذاً دينيا، ووصاية فكرية، لا تجد مبرراتها، إلا بالقدر الذي أشرنا إليه، من قبول المسئولين عنها لتلك الوصاية، بدوافع من التسليم الأعمى، في كل ما يتعلق بأمر الدين، مهما كان المستوى الذي يتحدث، أو يكتب فيه رجال الدين.. وعلى سبيل المثال فقد استمع المواطنون من تلفزيون الجزيرة لواعظ يكفر الذين يعتقدون في وصول الإنسان للقمر!! هذا على سبيل المثال فقط.. وعليه، وعلى هذا المستوى من الاذعان الأعمى من المسئولين عن تلك الأجهزة، فان رجال الدين يستغلون أجهزة الإعلام على اختلافها في نشر هذا الجهل، وهذا التخلف الفكري على المواطنين، ومن غير أن يراعوا ما عليهم من واجب، في محو أميتهم هم العلمية، وفي تثقيف أنفسهم،، وأمامنا الآن، وعلى سبيل المثال أيضاً، ثلاث كلمات نشرتها جريدة (الأيام) في أعدادها الماضية، وفي أعقاب المشكلة القائمة بيننا وبينهم.. ولقد حاول كاتبوا الكلمات، باتفاق بينهم مع (الأيام)، أو على غير اتفاق، النيل من دعوتنا الإسلامية الجديدة، بجهالة، وغثاثة، يرثى لها.. ويرثى معها أيضاً على ممتلكات، وأموال الشعب، التي تنفق في نشر مثل هذا الكلام الفارغ!
وقد جاءت كلمتان من تلك الكلمات في صفحة الشئون الدينية بجريدة (الأيام) الصادرة في يوم الجمعة 1 اكتوبر 1976م وتحت العنوانين الآتيين: -
1/ترك الصلاة وخطورته على المسلم..
2/ شريعة الله لا تتغير..
ويكفي في الاشارة بعدم موضوعية الكلمتين أن يكون مصدرهما الشئون الدينية!!
أما الكلمة الثالثة فقد جاءت في عدد من أعداد (الأيام) الاخيرة وهي لواحد من أنصار السنة الذين يجهلون كل الشيء، ثم يجدون السبيل أمامهم ميسرة في الصحف، وفي غيرها من وسائل الإعلام، يفسدوها، كما أفسدوا عدداً من المساجد، التي استغلوها في تشويه الدين، وفي طمس قيمه السليمة، بما ينشرون من عقيدتهم الفاسدة، التي تتنافى، وتصطدم، مع الآداب المعلومة من الدين بالضرورة.. فعلى المسئولين أن يتدبروا منذ اليوم خطورة هذا الأمر، ذلك أن السلفيين، سواء كانوا في الشئون الدينية أو في غيرها من الأجهزة، انما يمثلون، بحكم تفكيرهم السلفي، الرصيد الجاهز للطائفية، ولأذنابها، من الأخوان المسلمين، وأنصار السنة، الذين يمهدون لعودتهم، عن طريق استغلال تلك الأجهزة، وتطويرها، في خدمة أطماعهم، ومآربهم الدنيا.. ولكن هيهات!! فإن الله للطائفية بالمرصاد، ولن تفلح في كيدها لهذا الشعب المحفوظ بعناية الله..

قرار مجلس الأمن القومي


إن القرار الذي أصدره مجلس الأمن القومي في 1974م، والذي قضى بحرمان الجمهوريين من مباشرة حقهم المشروع، في الدعوة لفكرتهم من المنابر العامة، قد أعطى خصوم الجمهوريين، والذين هم في الحقيقة، وفي واقع الأمر، خصوم "لمايو" فرصاً سانحة لاستغلال القرار لمصلحة أحزابهم، وعلى حساب "مايو"، التي ظل الجمهوريون يدافعون عن ضرورة بقائها، دفاعاً لا يملك مثل اسبابه غيرهم، مما أقلق أعداءها، واغض مضاجعهم، حتى اهتدوا، بمكرهم السيء إلى حيلة خبيثة، أوهموا بها المسئولين في اجهزة الأمن، حتى ظنوا أن في عمل الجمهوريين، خطراً يتهدد سلامة أمن هذه البلاد!! والحق الذي لا مراء فيه، أن أعداء نظام ((مايو)) الحاكم، هم الذين صنعوا، وحبكوا، هذه الزوبعة، الفارغة، حتى يصفو لهم الوقت، بغياب الجهوريين عن المنابر العامة، فيعيثوا في الأرض الفساد.. ولقد عاثوا فساداً في المساجد حتى دنسوها بالتحريض على قتل الجمهوريين!! والمسئولون عن الأمن لم يحركوا ساكناً، حتى لكأن التحريض، والإثارة عليه، وأخذ القانون في الأيدي، أمور لا تعنيهم في شيء.. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فقد وجد هؤلاء الجو آمناً عليهم في المدارس الثانوية، وفي المعاهد العليا، وفي الجامعات، فاستخدموها جميعاً في مآربهم، فانتفع من ذلك جماعات الإخوان المسلمين، وأنصار السنة، وغيرها من الاتجاهات الطائفية، والسلفية، الهدامة، التي لا تقوى على النور.. جرى كل ذلك بقصد، وبتدبير مبيَّت، استغلت، واستخدمت فيه الأجهزة الرسمية، والوسائل الرسمية، مثال ذلك، ما قامت به الشئون الدينية من إعادة طبع قرار مجلس الأمن القومي، وتوزيعه على مختلف الوزارات، والمصالح الحكومية.. وكذلك الحال في وزارة التربية التي وزعته على مختلف المدارس، من الابتدائيات وحتى الثانويات العليا، وبحرص زائد، أبلغه، حتى مدرسة توريت الابتدائية..
إن الطائفية وأتباعها من جماعتي أنصار السنة والاخوان المسلمين، ليس لهم ولاء لهذا البلد، بقدر مالهم ولاء للخارج، الذي يغدق عليهم المال، ويصدر لهم الافكار المتخلفة البالية، والتي ليست للشعب السوداني فيها أدنى مصلحة.. فهي ضد أصالته الدينية، وضد أخلاقه، ومثله، وتربيته.. كل هذا حاصل، وأكثر منه، وليس من سبيل أمام الشعب السوداني لمواجهة هذه الأفكار الدخيلة والمستوردة، إلا سبيل الدعوة الإسلامية الجديدة، والتي يقف قرار مجلس الأمن القومي كأكبر عقبة في الوقت الحاضر أمام إنجازاتها التقدمية المقدسة..
إننا من هذا المكان وباسم الشعب السوداني، نطالب بإلغاء هذا القرار المجحف، والذي لا يوجد له تبرير على الاطلاق..

الاخوان الجمهوريون
ام درمان ص. ب 1151
تلفون 56912