إن الرجل الحر حرية فردية مطلقة هو ذلك الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط واحد هو أن يكون كل عمله خيرا، وبرا، واخلاصا، وسلاما، مع الناس..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)

menu search

الطائفية!! وأحداث الجمعة!! وعار الأبد!!

بسم الله الرحمن الرحيم
((أو لا يرون أنهم يفتنون، في كل عام، مرة، أو مرتين، ثم لا يتوبون، ولا هم يذّكرون؟؟))
صدق الله العظيم


المقدمة


استيقظ المواطنون، في العاصمة المثلثة، فجر الجمعة 2/7/1976م الموافق 4 رجب 1396 هـ، على أصوات الطلقات النارية وعلى هدير المدافع.. وما أن خرجوا للشارع، حتى علموا جلية الأمر!! فجاءوا يتحدثون عن الغزو الأجنبي المتحالف مع الطائفية، وعن المعدات الليبية والسلاح الليبي، وعن غزاة أجانب انتشروا في كل مكان.. كما تحدثوا عن ابتهاج التحالف الطائفي، وعن تجمعات بعض رجاله، وعن نشر علم السودان القديم على كثير من العربات المتحركة في خدمة أغراض هذا الغزو الأجنبي المسلح.. وبذلك فقد أصبحت هوية الإنقلاب واضحة من الساعات الأولى لوقوعه..

لقد أكدنا مرارا، وفي مناسبات عديدة، ومختلفة، ولا زلنا نؤكد، أن الطائفية هي الخطر المباشر على هذا البلد، وأنها على رأس الشرور التي تتربص بحرية البلد.. ولقد كنا في تلك المواقع، وتلك المناسبات، موضوعيين ومحددين.. إلا أننا، ولحكمة في حساب العليم، لم تجد الإستجابة المطلوبة لنداءتنا المتّصلة، بسبب من الغفلة المتفشية، وبسبب من الأمية السياسية التي يتمتع بها كثير من المتعلمين من أبناء هذا الشعب، حتى أصبحوا وعلى غير قصد منهم، يشكلون رصيدا جاهزا للطائفية المتربصة، دائما، للإنقضاض على كرامة هذا الشعب، وعلى مستقبل هذا الشعب، من وراء الدعاوى العريضة والأكاذيب المفضوحة في الحرص على دين الله، وعلى ديمقراطية هذا البلد المنكوب بأدعيائه..

ولقد ساق الله محاولة الانقلاب الطائفي الفاشل هذه مصداقا جديدا، وتوكيدا لرأينا الثابت حول الطائفية، وتدليلا على خطرها الماثل الذي يتهدد سلامة هذا الشعب، في كل وقت وحين..
إن الطائفية، وكمألوف عادتها، لا تتوّرع عن اللجوء لأحط وأخس الأساليب، في سبيل إحراز السلطة، وتأمين مصالحها المعادية لمصالح الشعب، مهما كلفها ذلك من أرواح الأبرياء، ومن تمزيق لوحدة البلاد..

ولقد ركبت الطائفية، في هذه المرة، وبعد أن إستيأست من استجابة الشعب لطغيانها، مركبا صعبا بلغ حد التآمر مع دولة طائشة لغزو السودان، وبجنود من المرتزقة الأجانب ذهبوا في إراقة دماء الأبرياء مذهبا وحشيا وقذرا، دللوا به أمام أعين الجميع، على فساد الطائفية وعلى خطرها الجاثم على صدر هذه البلاد، على نحو لم يترك فرصة لغافل ساذج، ولا لمدافع مغرض.. جرى كل ذلك، في وضح النهار، من أجل تمكين زعماء الطائفية وحلفائهم من التربّع على دست الحكم، ومن السيطرة على مقاليد الأمور في هذا البلد..

ولولا لطف الله، وعنايته بهذا البلد، لما تمكنت قوات الشعب المسلحة من استرداد مراكزها في رئاسة القوات، وسلاح الأسلحة، والإذاعة، وما إليها من مراكز القوة، التي أحتلها الغزاة في أول الأمر، فهددوا بذلك استقلال ووحدة هذه البلاد..

ثم لا بد لنا ونحن نواجه هذا الغزو الأجنبي الطائفي المسلّح، من اعتبار الحقائق التالية: -
أولا: إن هذه التجربة المريرة التي عاشها الشعب السوداني في اليومين الماضيين ليست نقمة، وإنما هي نعمة، في ثوب نغمة، دلّل بها الله، وبصوت بليغ ومسموع، على مدى الخطر الذي يمكن أن تتعرّض له البلاد من جانب الطائفية المشؤومة، والتي لو قدّر لها أن تنجح في هذه الجولة – لا قضى الله ولا قدّر – لباعت كرامة هذا البلد لأولياء نعمتها من الأجانب، تأمينا لمصالحها وتمكينا لسلطانها..
ثانيا:
إن الخطر الطائفي الذي لا يزال ماثلا، هو أكبر الأخطار التي تهدد مصير هذا الشعب.. ولذلك، فإن ضربه بالسلاح وحده لا يكفي.. وإنما لا بد، لإجتثاثه من جذوره، من الفكر الديني الذي يعّرى جهله بالدين، ويكشف فساده في استغلال دنيا الناس باسم الدين.
ثالثا:
لقد تأكد من حوارنا، في الميادين العامة، مع المثقفين وبعض المسئولين أنهم يستخفون بالحديث عن الخطر الطائفي ويقلّلون من شأنه، الأمر الذي يجسد خطر الطائفية على وحدة كيان هذا البلد، وعلى وحدة ترابه، ما لم نذهب، في التوعية، مذاهب جديدة نستدرك بها ما فاتنا من هذا الأمر.
رابعا:
إن المرتزقة، والأنصار المضللين الذين باشروا مهمة الغزو المسلح، ليسوا الاّ ضحايا للكيد الطائفي والتحالف الليبي.. وهذا، بطبيعة الحال، لا يعفيهم من مسئوليتهم.. ولكن لا بد ليد العدالة من أن تمتد وتشمل الأيدي الآثمة، في داخل وخارج البلاد، والتي خططت لهذا الغزو.. كما لا بد لها من أن تمتد فتشمل الدولة الأجنبية التي نفذته حتى أصبح حقيقة أمام أعين الناس..
خامسا:
يجب الاّ ننسى، ونحن في غمرة حديثنا عن الغزو الأجنبى، وعن الجنود المرتزقة، الدور الأساسي الذي لعبه زعماء الطائفية، في تحريك تلك الأدوات، مستغلين بذلك جهل وحقد الرئيس الليبي، وحرصه الأحمق على توسيع زعامته الطائشة.. أكثر من هذا، يجب الاّ ننسى الدور "الطليعي" للأنصار في هذه الحركة المشؤومة، وبعد أن دفعوا بالسذج والبسطاء من أتباع الطائفية في أتون الفتنة، مضللين وموهمين بلقاء "الإمام الهادى"، و"محجبين" ضد السلاح، ومحصنين "بالراتب".
سادسا:
إننا حريصون على إحترام علاقاتنا بكل الدول، وبخاصة الدول العربية.. ولكننا، في نفس الوقت، حريصون على نفس المستوى من المعاملة.. أما أن تذهب بعض الدول في استضافة وإعانة زعماء الطائفية وحلفائهم من "الأخوان المسلمين"، فهو أمر يجب أن يكون منكرا عندنا أشد النكر، كما يجب أن يجد منّا المواجهة الحاسمة، حتى تفهم تلك الدول أن من يصادق أعداءنا فهو ضدنا، مهما تصّنّع المجاملة وتظاهر بالود، لا سيما بعد أن ظهر أولئك النفر بهذا الأسلوب الرخيص الذي هدّدوا به سلامة وأمن هذه البلاد.

هذه الحقائق الست رأينا أن نوكدها، في خاتمة مقدمتنا هذه، ليتوكأ عليها القارىء، وهو يقبل على قراءة هذا الكتاب الذي نرجو له أن يسهم بدور فعّال في معركتنا ضد الخطر الطائفي السلفي....