وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..
مزارعو الجزيرة، على حقيقتهم لا على واقعهم، هم عتاد البلاد ومصدر رخائها ودعامة نهضتها، فجوعهم جرم في حق هذه البلاد، ومرضهم وفقرهم مؤامرة على نهضتها، إن هان على الاستعمار وأصابع الاستعمار أن يحيكوا شباكها، فليس من السهل أن تقف الهيئات الوطنية أمامها مكتوفة الأيدي..
إخواننا المزارعون: لا تظنوا أن ظلامتكم هي ظلامة مزارعي الجزيرة، كلا، وإنما هي ظلامة الشعب السوداني بأسره.. ولستم واجدين هنا من يقول لكم: "اذهب أنت وربك فقاتلا" ولكنكم واجدون من يقول لكم: والله لئن خضتم هذا البحر لخضناه معكم!!
وها أنا أعلن لكم مؤازرة الحزب الجمهوري الذي عاهد الله على مناصرتكم، واضعا يده في أيدي إخوانكم رجال المؤتمر.. ولن يثنيه عن نصرتكم رغبة ولا رهبة، فثقوا أن الله معنا ولن يتبرنا أعمالنا وسينصرنا على القوم الكافرين..
الحزب الجمهوري
الجنيد على عمر .. عضو الحزب الجمهوري
يوافي السكرتارية بالمعلومات عن قضية المزارعين
ود مدني
المدرسة الأهلية
31/7/1946م
حضرة المحترم سكرتير الاتصال بالحزب الجمهوري
بعد التحية
وصلني خطابك الأخير بعد أن كتبت لك خطابي الأخير أيضا، والذي يدعو للدهشة في هذا الخطاب، أعني خطابك، هو سؤالك عن مشكلة مزارعي الجزيرة، وطلبكم منا أن نفيدكم ببعض المعلومات بينما المزارعون موجودون بطرفكم، وبينما تجدون كل ما يختص بالمشكلة مكتوبا بالجرائد والصحف المحلية!!
ولكن على كل حال، سنكتب لكم ما استطعنا أن نتحصل عليه من المعلومات، وإن كانت لا تختلف كثيرا عما ورد في الصحف المحلية..
(1) مال الاحتياطي:
يرجع تاريخ هذا المال إلى سنين الأزمة العالمية 29-1931م، ففي إحدى هذه السنين كانت حالة المزارعين بائسة جدا، فاضطرت الحكومة إلى أن تسلفهم مبلغا ضخما "كما تزعم" لتعينهم حتى تزول الأزمة.. بعد ذلك فكرت الحكومة أن ترد هذا المبلغ بطريقة الاستقطاع، فشرعت تستقطع من المزارعين هذا الدين، وتزعم الحكومة أنها أخبرت المزارعين بذلك..
بعد أن استردت الحكومة دينها فكرت في أن تؤمن على المشروع ضد مثل هذه الأزمات، فاستمرت تستقطع من المزارعين لتؤمن على المشروع الذي يعتبر شركة بينها وبين المزارع، ووضعت الشركة هذا المبلغ في أحد البنوك الإنجليزية ليدر عليها الربح..
ولما أتت سنة 1945م، رأت الحكومة أن تصرف للمزارعين جزءا من هذا الربح، وكان بسيطا جدا.. وفي هذه السنة أخبرت الحكومة المزارعين بواسطة مجالس المزارعين، بأن لهم مبلغ 1300000 جنيها، وطلبت من هذه المجالس أن تفكر في الاستفادة من هذا المبلغ، فاقترح المجلس الأعلى أن تعد بها الحكومة جوامع ومدارس ومصحات واستراحات للإنجليز وأندية للمزارعين..
طبعا كل هذه الأشياء من واجبات الحكومة لا من واجبات المزارعين البؤساء، فثارت ثائرتهم، وحدث أن طلبوا من مدير الشركة كل المبلغ فأحالهم هذا إلى مدير مديرية النيل الأزرق.. فلما ذهبوا للأخير، وضغطوا عليه، رأى أن يتخلص من المسئولية ويرميها على عاتق الحكومة المركزية، وحدث ما حدث من مناقشات في الأمر ونشرت كل هذه في الصحف المحلية فأرجو أن أحيلكم عليها..
(2) حجج قوية:
1/ مال الاحتياطي إما أن يكون للتأمين لكل المشروع وبذلك وجب على الشريكين الآخرين أن يشتركا في مال الاحتياطي لأن المشروع ومحصوله لا يهم الفلاح وحده وإنما للشركة وللحكومة مثل أرباح المزارع وأغلب الظن أن أرباحهم أكثر من أرباح المزارعين..
2/ وإما أن يكون هذا المال للتأمين على المزارع وهو الواقع، لأنه الوحيد الذي ساهم فيه، وبذلك يكون له الحق في أن يتصرف في هذا المال كيفما شاء..
إن هاتين النقطتين هما موضع الضعف في حجة الحكومة..
أرجو أن أكون وضحت لكم هاتين النقطتين، فهما كل شيء على ما أعتقد في القضية، أعني قضية الاحتياطي، ثم هناك النقطة الثالثة..
(3) تعرض الحكومة الموضوع على المجالس وتوعز لهم بإنشاء المؤسسات المشار إليها آنفا، مع إن هذا من واجب الحكومة ويجب أن يؤخذ من الميزانية العامة لحكومة السودان الدكتاتورية!!
(4) مشاكل المزارع العامة:
1/ مستوى معيشة المزارع: حدثني أحد المزارعين بأنه يسكن في عشة واحدة ومعه زوجته وأولاده الأربعة، وإنهم لا يملكون سوى عنقريب واحد، وأن أولاده لا يلبسون سوى خرق بالية وبعضهم لا يلبس شيئا!! ولقد قص هذا الرجل هذا الحديث المحزن، وقال إن هذا شيء من كثير!!
إننا إذا تتبعنا، فأن أغلب المزارعين باعوا أراضيهم للحكومة بأثمان بخسة نتيجة لسياسة الموت البطيء التي تتبعها حكومة السودان، وأن أغلب المزارعين باعوا مواشيهم وقطعانهم ليتمكنوا من المعيشة، وهذا ما ردته لهم الحكومة نظير الأرباح الطائلة التي تدخل في جيوب الإمبراطورية الغاشمة!!
وفوق كل هذا تجد المرض، البلهارسيا، والحمى والجهل، وكل المنشآت التي أعدتها الحكومة هي تلك الشفخانات الهزيلة والمدارس ما تحت الدرجة!!
2/ خسارة من غير منطق: حدثني آخر أن الواحد منهم يزرع ويصرف على حواشته عشرات الجنيهات ثم يحصد ويصرف ويرسل القطن إلى مراكز الاستلام، وفي السنة القادمة يجد نفسه خسران.. كيف!؟ لا ندري!!
إما أن يحتجوا عليه بأن قطنه كان قطن متسخا أو نمرة 4، لأن الحكومة أو الشركة أو الاثنين معا يقسمون القطن إلى درجات من نمرة واحد إلى ما دونها.. مع إن هذا القطن المتسخ والذي يزعمون أنه نمرة 4 ينسج ويرسل لنا هنا ويباع بسعر الياردة 30 جنيه!! الخسارة!! عجيب أمر هذه الخسارة!!
لا يتناول المزارع نظير هذا القطن أي شيء وفي أغلب الأحيان يكون صاحبه مدان للحكومة في الاستقطاع!!
3/ مطالب المزارعين:
أ/ أولا: نحن نعرف أن نصيب المزارعين 40% من الأرباح والباقي للحكومة والشركة.. هذه النسبة ضخمة عندما تنظر لها أول الأمر إذ يتراءى لنا أنها معقولة، وخصوصا عندما ننسبها لمزارع واحد ولكن عندما ننسبها إلى 25 ألف مزارع فسرعان ما نرى الحقيقة المرة، فإن 40% من الأرباح عندما توزع لهذا العدد الضخم من المزارعين لا تكون إلا نسبة قطرة في محيط..
ثانيا: يجب ألا ننسى أن أغلب المصاريف على المزارع، وقد أخبرني أحدهم أن الشركاء لا يشتركون في المصاريف إلا بما لا يزيد عن العشرة جنيهات أو أقل بينما يصرف الواحد منهم الأربعين جنيها من هذه الأربعين بالمائة.. لذلك قرر المزارعون أن يطالبوا بزيادة نسبتهم المئوية وأن تشترك الحكومة والشركة في المصاريف، أليسوا لهم شركاء؟ إذن يجب أن يحدث ذلك..
ب/ سياسة الاحتكار: الحكومة تحتكر القطن لإنجلترا، فهي لا تبيع قطنا إلا لإنجلترا وبأسعار بخسة.. هذه السياسة يجب أن تزول، ويجب أن يباع القطن في الأسواق العالمية وبذلك يمكننا أن نبيع قطننا لأي دولة تدفع في القنطار أكثر من أختها.. هذا ما طالب به المزارعون ويجب أن يطالب به حزبنا المجاهد لأن الاستقلال الاقتصادي هو الحجر للاستقلال السياسي..
وبمناسبة سياسة الاحتكار، أود أن أقص لك القصة القصيرة الآتية، وهي أنه حدث في إحدى السنين أن ارتفع ثمن القنطار إلى 90 جنيها في طوكر، فأرادت الحكومة أن تقلل من القيمة فقالت إنها لا تريد قطنا هذه السنة، وهي تعلم أن المزارعين لن يجدوا طريقة إلى تصديره للخارج!! فاضطروا لبيعه للتجار بسعر 50 – 60 !! وعندما رأت الحكومة ذلك تقدمت مرة أخرى وقالت لهم مع إننا لا نريد قطنا هذه السنة لكننا نود أن نخدمكم خدمة فاشترت منهم القطن بذلك الثمن البخس!!
وهذه قصة أخرى حدثت بود مدني، ملخصها أن أحد مزارعي القطن بالجزيرة "وهو من أهل الغرب" أتى إلى ود مدني ليشتري قطنا اسكارتو ليعمل منه مرتبة.. والاسكارتو هو القطن غير النافع للنسيج، فعندما سأل عن ثمن الرطل قيل له إن الرطل يكلف 3 جنيهات، فتركه وذهب.. وحدث أن قابل هذا المزارع المدير فقال للمدير: جنابك, كيف يكون ثمن الرطل من القطن بتاعنا نمرة واحد، واحد قرش بينما ثمن القطن الاسكارتو في مدني 3 جنيهات.. فتحير المدير في الإجابة وأطرق قليلا، ثم ضحك ضحكة عصبية وقال للرجل: ليس هذا الكلام منك.. إلى هنا أقف عن الحديث..
تلاحظ أني لم أتعرض لمسألة الاحتياطي كثيرا لأني أرى لا داعي لكتابتها هنا إذ أنكم ستجدونها في الصحف المحلية، فأرجو أن ترجعوا لها.. ثم إنك تلاحظ أنني سردت لك كثيرا من القصص لأني أؤمن بها للدعاية والتأثير في عامة الناس وخصوصا البسطاء منهم، لذا أرجو أن أقترح على اللجنة توسيع هذه القصص في نشرات بأسلوب عاطفي ثم توزعها.. ويمكنكم أن تصفوا منزل المزارع ومستوى معيشته وصفا قويا، ومهما بالغتم فلن تبعدوا عن الحقيقة المرة..
أرجو أن أكون وضحت لكم توضيحا معقولا، ولئن احتجتم لأزيدنكم، فهذه معلومات مقتضبة وسنوافيكم بكل جديد..
أرجو أن تكتب لي برامج الحزب، وتوضحها توضيحا عاما إن انتهيتم من وضع شيء جديد.. أما إذا لم تضعوها فأخبرونا بنواياكم لنرسل لكم ما نراه من مقترحات ربما تكون مجدية بعض الشيء وحتى نكون مشتركين في أعمال الحزب اشتركا رسميا..
وختاما تقبلوا فائق احترامي، وإنا لمنتصرون..
الجنيد على عمر