وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

مذكرات سكرتير الحزب الجمهوري ١٩٤٥-١٩٦٩

الأستاذ أمين محمد صديق


أمين محمد صديق - سكرتير الحزب الجمهوري ١٩٤٥-١٩٦٩


من الأستاذ محمود في سجنه (4)


أخي العزيز
تحية .. آمل أن تكون أنت وإخوانك بخير..
حملت زيارتكم أول أمس كثيرا من العبء عن صدري فاستقبلت السجن بنفس جديدة..
بالأمس تحدث معي حكمدار السجن عن مسألة تحويلي إلى أودتي، كرنتينة السل، وذكر أن الدكتور قال إنها بحالة صحية مناسبة، فحدثته رأيي فاقتنع وقد أصبح معقولا جدا، وفهمته أني أعتقد أن الحكومة لا حق لها على بالمرة.. فإذا استباحت لنفسها أن تسجن رجلا لدفاعه عن حقوق بلاده فمن الخسة أن تحاول التضييق عليه حتى في السجن!! وفهمته أني أعتقد أنه من الواجب على الحكومة أن توفر لي سبل الراحة الكاملة داخل السجن، وألا تتدخل في زمني وشخصي إلا بالقدر الذي يضمن لها الحد من نشاطي السياسي، ولو أني اعترضت كل الاعتراض على هذا الحد.. ولكن إذا أصرت عليه بالقوة فمن الاستبداد أن تتعداه، فتقبل كلامي وعقله وأعتقد أنه سيغير كثيرا جدا من تصرفه..
وعند الحديث عن الأودة، أفهمته أني لا أريد أن أتحدث عن دكتور التيجاني الماحي في غيابه، ولذلك بحث عنه ثم وعد بإحضاره أمس وإحضاري، ولكنه لم يفعل وهو على كل حال مقتنع بألا أسكن فيها..
لعل من الخير أن تتمهلوا فلا تنشروا حديثا عن دكتور تيجاني اليوم.. وسأحرجه أشد إحراج أمام الحكمدار في تلاعبه بصحة المساجين هنا..
أوقف السجن جماعة الحقانية لأن أخبار المعاملات السيئة تتسرب إلى الخارج بواسطتهم فيما يرون، فهم يريدون أن تكون سيئاتهم مغطاة ولا يريدون إصلاحا فطالبوا رسميا أن يكون هناك اتصال بيني وبينك مرة في الأسبوع، وأن تكون زيارة رسمية مرة في كل أسبوع خاصة بي.. بل وجه من حزبك دعوة للمحررين أن يطالبوا بأن يطلعوا على أحوال السجن في زيارات رسمية دورية لأن السجن ما ينبغي أن يظل "كالباستيل" وهذا واجب من واجبات الصحافة، أرجو أن يكون لكم شرف التنبيه إليه.. وأنا أؤكد لك أن في داخل السجن تجري ألاعيب تجعل كل مسجون هنا، بعد الخروج، مجرما محترفا حتى "الأحداث"، أليس من حق الشعب أن يشرف على "الأحداث" وهي بمثابة مدرسة للإصلاح!!
من المساجين المشتغلين بالمديرية من يدعي بدوي، سيكون اليوم بقهوة الحقانية، فقابله لتنظيم المراسلات بيننا وأسأل عنه القهوجي.. سأوافيك بالحديث مع تيجاني أمام الحكمدار، إذا تم اليوم عندما تحضر الفلوس.. أرجو أن ترسل لي خمسين قرشا فكّة، وأن تشتري لي إبريقا صغيرا للوضوء ونصف دستة أمواس حلاقة "Ever Ready" .. الإبريق يكون صغير من التوتيا من فضلك، لا الصفيح..
سمعت أمس من أحد تجار أم درمان أن مواد السلوم تم عليها الحجز فعلا، فأرجو إفادتي بالتفصيل إذا أمكن..
أرى أن تطالبوا دائما بالجريدة.. أنتم بالخارج لا تطالبوا بأن يكون سجني مميزا كمسجون سياسي.. دائما احتجوا على السجن نفسه.. سأكتب كل التفاصيل هنا بدون أن أطلبها، بل آخذها أخذا، ولا بأس أن تكون في الصحف بعض آراء فردية، لا من الحزب الجمهوري، تطالب بالتمييز للمسجون السياسي خاصة..
سلامي ودعائي بالتوفيق فالله معنا ولن يبتر أعمالنا..
المخلص
محمود محمد طه