وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

مذكرات سكرتير الحزب الجمهوري ١٩٤٥-١٩٦٩

الأستاذ أمين محمد صديق


أمين محمد صديق - سكرتير الحزب الجمهوري ١٩٤٥-١٩٦٩

بيان من الحزب الجمهوري
عن معاملة الرئيس محمود محمد طه


هذا بيان نذيعه على المواطنين، والرأي العام العالمي ولحكومة السودان أن تكذبه على شرط أن تتألف لجنة من المواطنين، يمثل فيها اتحاد الصحافة للتحقيق من صحة هذه الأخبار، وإلا، فالخبر صحيح لا يرقى إليه الشك، وسيترتب عليه قيام قضية طرفاها الحزب الجمهوري وحكومة السودان..
نقول بصدق إن كل الأخبار التي نشرتها الصحف المحلية.. ونزيد عليها أن محمودا قد هدد بالكلابش ووضع في زنزانة داخل غرفة بها مريضان بالسل، وهما في الطور الأخير من المرض وليس عليهما رقابة تحول بينهما وبين البصق أمام تلك الزنزانة التي وضع بها الرئيس محمود.. وليت سلطات السجن وقفت في معاملتها، عند هذا الحد، فقد منعت محمودا الماء للوضوء مما اضطره لأخذ الماء من نفس الإناء الذي يستعمله أولئك المرضى.. وكل هذا يدل دلالة واضحة على أن إدارة السجن أو من يسير السياسة العليا للسجون لم يفتهم التفكير في محاربة رجال الحركة الوطنية حربا خفية سلاحها الجراثيم الفتاكة!!
أما عن البيان الرسمي فيظهر أن نائب السكرتير الإداري للشئون السياسية لم يكن مطمئنا إلى معلوماته الرسمية اطمئنانا يمكنه من قبول اقتراح سكرتير الحزب الجمهوري القائل بمقابلة محمود للتحقيق من صحة تلك المعلومات..
الأربعاء 3/7/1946م
أمين محمد صديق
سكرتير الحزب الجمهوري

أزعج هذا البيان الحكومة غاية الإزعاج، وأثار المواطنين إثارة بالغة، واستغلته صحافة مصر، وأخذت تلغرافات المواطنين تنهال على دور الصحف ومكتب السكرتير الإداري، نورد طرفا منها:

تلغراف من سنجة


أمين محمد صديق – سكرتير الحزب الجمهوري
تصفحت بيانكم بجريدة الرأي العام بتاريخ 4 يوليو، وتعجب كل من تصفح هذا البيان عن معاملة نزيل كوبر، فإننا نحتج على هذه المعاملة ونؤيد الحزب الجمهوري في رفع قضية ضد الحكومة تأييدا بمالنا وأرواحنا..
محمد إمام

تلغراف من رفاعة


نرفع احتجاجنا على معاملة الحكومة للرئيس بالسجن فهذا مما يؤكد اتخاذ الحكومة للطرق الإرهابية لكبت الحريات وتكميم الأفواه..
مصطفى محمد خير- أحمد يوسف قوي – عبد المحسن عمر

برقية من الأبيض


الحاكم العام – الخرطوم
إذا أعوزت المظلوم الحيل، فإنه لا يدري من أي باب يلج..
فإلى سعادتكم نرفع صارخ احتجاجنا لما قرأناه بالصحف المحلية حول معاملة الأستاذ محمود محمد طه رئيس الحزب الجمهوري بالسجن حتى اضطر أن يمسك عن الطعام ويفضل الموت على الحياة!!
إن المطالبة بالحقوق أمر مشروع أقرته الأديان واعترفت به البشرية، وما كان محمود بدعا في المطالبين بحقوقهم المشروعة..
إننا نرفع احتجاجنا ونطالب بإطلاق سراح الرئيس الذي إن خذلناه اليوم، فلن نقف غد مع غيره من المجاهدين والمطالبين بحقوقهم..
فنحن هنا نطلب هذا المطلب العادل والأحزاب والهيئات جميعها تؤيدنا ولن يجدي إخماد الشعور بالعنف والشراسة..
الجمهوريون بالأبيض

جواب من السجن


من المواطن هاشم الخليفة
عزيزي الأستاذ أمين
تحية وشوقا..
يسرني أن أتشرف بالتعرف بحضرتكم، لأول مرة، وأنا أكتب لك هذه الرقعة عن الأخ الأستاذ محمود، وهو صديق قديم جمعتنا الظروف في السجن فكان لنا عزاء..
أرجو أن تتجاوز عما تلاحظ من تزلف في كتابتي لك في هذا الموضوع لأني أشهد الحوادث عن كثب، واسترسل بعاطفة الحانق الضجر، لأن الأستاذ منذ وصوله إلى أن استقر نهائيا في الأودة الموبوءة بالسل يلاقي أنواعا من التضييق وتفننا في الضغط لا يقصد منه، كما أشعر، إلا حمله على إمضاء التعهد بإرهاقه من الناحيتين الحسية والنفسية، الأمر الذي سيدفن شخصه المجاهد وعمله السياسي، منذ اللحظة التي يمسك بها القلم ليوقع ذلك التعهد مهما كانت الأسباب والمبررات.. وإذا كان موقف الأستاذ كما وضحت لحضرتكم، فليس لكم أنتم أعضاء الحزب والجبهة الوطنية ولا رجالات البلد أجمع مندوحة سوى تعبئة الجهود لدفع هذا العدوان.. وإذا كنتم مجتمعين لا تستطيعون إنقاذ شخص واحد، فكيف تجيزون لأنفسكم التفكير في إنقاذ عشرة ملايين هم السودان!؟
لا يمكنني أن أدعي رسم الخطة لهذه الحملة، ولكن أهيب بكم ألاّ تدّخروا مجهودا ولا تضحية في سبيل محمود البطل الفذ..
وبعد، أقول لحضرتك إن إدخال الأستاذ في محل المسلولين اليوم كان بقرار من الدكتور التيجاني الماحي لأن الإنجليز يريدون فصله لكي لا يُرى جالسا عند مرور المدير وغيره أمام بقية المساجين، فأوعزوا للتيجاني ليقرر، وقد أوقفوا الأخوان الذين كانوا يشتغلون في القضائية كي لا يسربوا الأخبار.. وهو الآن في خلوة صائم لوجه الله ولكن يمكنكم استغلالها..
وختاما تقبل تحياتي
أخوك
هاشم الخليفة