وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..
جاء في جريدة حزب الأمة بعددها بتاريخ 13/5/1946م ما يأتي:
" إن السودان لم يقل حتى الآن كلمته في نظام الحكم الذي يريده، حين يتم له الاعتراف باستقلاله.. إنه لم يقل إن كان يريده ملكية أم جمهورية، ولكنه على كل حال لن يبدأ حيث بدأت الشعوب، وإنما يريد أن يستفيد من تجارب الإنسانية ليبدأ من حيث انتهى الناس، إنما يريد جمهورية "..
ويجب ألا يفوت القارئ الفطن أن السودان هنا هو حزب الأمة!!
حزب الأمة إذن، يريد أن يصبح جمهوريا ولكنه لا يجرؤ على الجهر والوضوح، وإنما يؤثر اللف والغموض، وتلك شنشنة نعرفها من أخذم.. قل هو حزب آمن قلبه بمبدأ الجمهورية وكفر لسانه، فهو يكتم إيمانه ولا يتفوه إلا بمواربة فلا يفهمه إلا الذين يقرءون بين السطور..
قلنا لكل من اتصل بنا مقدما طلبا للانضمام للحزب الجمهوري، إننا لا نعبأ بهذه الشكليات التي تواطأت عليها الأحزاب فتحفظ سجلا بأسماء الأعضاء..
أولا: لأن الحزب الجمهوري لا يؤمن بتعدد الأحزاب، ولا يرى في السودان حزبا سواه، وما ينبغي أن يكون ولن يكون..
ثانيا: لأن مبادئنا فكرة وعقيدة، والعبرة فيها بالقلوب لا بالشكول.. فإن آمن بها مؤمن واعتقدها معتقد فهو جمهوري، سواء عرفنا وعرفناه أم لم يعرفنا ولم نعرفه، وإنما هو قد قرأ لنا وتأثر بآرائنا، وهذا بعينه ما جرى لحزب الأمة.. فهل نعتبره يا ترى، على هذا الأساس جمهوريا، فنوفد إليه من قبلنا من يلقنه مبادئنا بتبسط وتوسع، أم لابد من الاهتمام بالمظاهر والشكليات "مع حزب المظاهر والشكليات" ولا بد للحزب الجمهوري أن ينزل من قاعدته التي ترسمها، ولو من باب مخاطبة الناس بما يألفون فيطلب من حزب الأمة أن يملأ طلبا واحدا لجميع أعضائه، وكذلك يصبح "بالجملة" جمهوريا تحت لواء الجمهوريين!!
أم أن هذا الحزب قد سمع بلفظة "الحزب الجمهوري" ولم يتفهمها ولم يتفهم المبادئ القائمة عليها، وإنما أسرع إليها إسراعا ولاذ بها لياذا من قوارص الغموض والإبهام اللذين أرمضاه إرماضا.. وإن من الخير إذن، أن نوفد إليه من قبلنا قبل أن يملأ طلبه بالانضمام إلى الحزب الجمهوري "بالجملة" من يذكره بتكاليف المجد التي سيبذلها في غدٍ كل جمهوري..
ولكن قل لي كيف يصح لهذا الحزب "المدلل" أن يصبح جمهوريا بهذه السرعة وهو قوي التشبث ببقاء سادته الإنجليز!؟
أليس هو السبب في إدخاله جملة "وتحالف مع بريطانيا" المقابلة "لاتحاد مع مصر" في تلك الوثيقة الهزيلة، وثيقة الأحزاب المهازيل!؟
أم هل تريدون أن يكيدوا للجمهوريين، فيكونوا منهم، كما قال فيهم أصدق القائلين: "وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون"..
قالوا: إن السودان لم يقل حتى الآن كلمته في نظام الحكم الذي يريده، حين يتم له الاعتراف باستقلاله!! ما شاء الله!! إنه لم يقل إن كان يريده ملكية أم جمهورية، ذلك قولهم بأفواههم!! فإن كان حزب الأمة كما هو في أخلادهم، لم يقل كلمته ولن يقولها لأنه لن يعرفها، وإلا فإن السودان قد قال إنه يريد الاستقلال التام الناجز "جلاء الإنجليز والمصريين على السواء" وقيام جمهورية ديمقراطية ترد الأصول إلى كتاب الله وحياة الرسول.. وسيرى الذين في قلوبهم مرض أن هذه قولة السودان، وأنه سيحققها..
إن مبادئ الجمهوريين هي منادح السودان، والإسلام، وسيدفع عنها عبث العابثين من الداخل والخارج رجالٌ، الموت أحب إليهم من الحياة، ثم لا يبالون على أي جنب كان في الله مصرعهم..
الحزب الجمهوري
15/5/1946م