وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

مذكرات سكرتير الحزب الجمهوري ١٩٤٥-١٩٦٩

الأستاذ أمين محمد صديق


أمين محمد صديق - سكرتير الحزب الجمهوري ١٩٤٥-١٩٦٩

منشور رقم (20)
نداء من الحزب الجمهوري


أيها المصريون:
أنتم قومنا وعشيرتنا وأهلنا الأدنون.. جمعتنا أصرة الدين وقربتنا وشيجة الدم وربطت بيننا شريحة اللسان، ثم أفاض النيل علينا من خيراته، وبركاته، فالتقينا على وحدة الألم ووحدة الأمل..
ولكن أيها المصريون، ينبغي ألا يكون ذلك كل شيء، فإنه قليل الغناء، وإن كثرة اجتراره وترديده مخلقة لإهابه مقربة به أطياف الرياء، فينبغي ألا تقوم عليه وحدة علائقنا في مضطرب الحياة وفي مضطرب الجهاد..
أيها المصريون: أنتم قومنا وعشيرتنا وأهلنا الأدنون، ولكنا لم نفهمكم كما ينبغي أن تُفهموا، ولم تفهمونا كما ينبغي أن نُفهم.. فقد طاب لنا، وقد طاب لكم أن تقوم علائقنا على العواطف نجترها اجترارا، ونرددها ترديدا يزحم الصدور بأنّات الضعيف وزفرات المغلوب..
أيها المصريون: نحن لم نستقل بعد، وأنتم لم تستقلوا، والشرق جميعه لم يستقل، لأننا جميعا آثرنا أن نفكر بمخاوفنا ورغائبنا بدل عقولنا، ونحن في معترك لعمالقة الفكر فيه سلطان ودولة.. وأي غرابة في ألا نجد مكانا مرموقا للأقزام في دنيا كل من فيها عمالقة!!
مصر للمصريين، والسودان للسودانيين، وكل بلد شرقي لأهله أيها المصريون.. فعودوا فنظموا منزلكم، ولنعد فننظم منزلنا، وليعد كل بلد شرقي فينظم منزله.. وسنلتقي جميعا في مسالك الحياة المحتشدة، وقد أضنانا الجهد ومسنا اللغوب، فنفيء إلى علائق العواطف النبيلة، ويقول بعضنا لبعض: أنتم قومنا وعشيرتنا وأهلنا الأدنون، فيجب أن تتذكروا أمجاد الآباء فتدأبوا على أن تعيشوا عيشة السادة الأعزاء.. وسيقول كبيرنا لصغيرنا: عليك وحدك أن تعمل على أن تكون سيد نفسك، فإنا لا نقدر لك على شيء، ونحن في بلادنا غرباء..
أيها المصريون: أنتم قومنا وعشيرتنا وأهلنا الأدنون، لم نفهمكم كما ينبغي أن تفهموا ولم تفهمونا كما ينبغي أن نفهم، وإلا، فما بالكم تبالغون في الإشفاق علينا وسط الظن بمقدرتنا!! أولونا ثقتكم، وأرونا احترامكم، فإنا قوم يحلو لهم احترام العدو أضعاف ما يطيب لهم إشفاق الموالي.. بل إن المبالغة في الإشفاق علينا تؤذي نفوسنا أبلغ الإيذاء!!
أما نحن، أيها المصريون، فقد عقدنا النية على أن نجاهد جهاد الأبطال لنيل استقلالنا من الإنجليز، فهل نعتمد على مساعدتكم؟ وهل تقولون معنا: السودان للسودانيين؟
وما العمل الذي نريده إليكم بأكثر من أن تستقبلوا قضيتنا بعقول تقوى على مواجهة الحقائق، فتمكنونا من التفكير بعقولنا بدل عواطفنا، فتوفروا علينا أن نتقسم شيعا وأهواء..
مصر للمصريين، والسودان للسودانيين، وكل بلد شرقي فهو لأهله، أيها المصريون.. فلا يسرنكم أن نكون عوّالين عليكم، ولا يسرنّكم أن يكون بلد شرقي عوّالا عليكم إن كنتم حقا غيورين على الإسلام دفاعين عن الشرق..
إن ما بيننا من علاقات، أيها المصريون، قد عقدتها يد الزمن الصناع، وإن تاريخ الأجيال قد ختمها بخاتم القوة والمنعة والبقاء.. فلسنا نخشى عليها إلا من الذين، منا ومنكم، يؤثرون أن يفكروا برغباتهم ومخاوفهم بدل عقولهم.. فهؤلاء وحدهم قادرون على إضعافها وخنقها لما يحجبون عنها من الشمس والهواء..
أيها المصريون: إنا على أوفاز صيال، وقد عقدنا النية على محاربة كل من يقوم بيننا وبين حياة المنعة والحرية، فلا تمكنوا للذين، منا ومنكم، يسيئون عن حسن نية، وطيب طوية لهذه الصلات فيقسمون البلاد، ويجعلون منها شطرا لكم، وشطرا عليكم، فإنكم بذلك تخسرون السودان ونحن بذلك نخسر المعركة..
أيها المصريون: لن تكسبوا السودان أخا وصديقا، وأنتم تمكنون لمعالجة علائقنا، الذين منا ومنكم يفكرون بمخاوفهم ورغباتهم بدل عقولهم..
مصر للمصريين والسودان للسودانيين، أيها المصريون..
مصر للمصريين والسودان للسودانيين، أيها السودانيون..
أمين محمد صديق
سكرتير الحزب الجمهوري