وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..
اتفقنا مع أحد أعضاء الوفد السوداني – لا داعي لذكر اسمه الآن- على أن يرسل لنا مذكراته من حين لآخر، وسننشرها عليكم كلما وصلنا منها ما يستحق النشر..
8 أبريل 1946م.. أسفت كثيرا حين أصبحت، والتمست مفكرتي التي دونت فيها مذكراتي منذ أول يوم صح فيه عزم الوفد على القيام إلى مصر فلم أجدها، ولست الآن قوي الأمل في أن أجدها لأني لا أذكر أين تركتها، وأخشى أن يكون قد نشلها صحفي ممن حولنا، وهو أغلب الظن..
وها أنا أبدأ مفكرة جديدة، وأرى أن ألخص الأيام الماضية تلخيصا مقتضبا حتى لا يطول عهدي بها فأنساها، فإنها فترة حافلة..
زرنا اليوم رفعت النحاس باشا في منزله، فمكثنا عنده ساعة تحدث رفعت أثناءها طويلا عن " مواقف الوفد المصري بالنسبة للسودان، وأكد أن الوفد المصري كان، ولا يزال، يؤمن "بوحدة وادي النيل" فما كان من الأستاذ أزهري- عفا الله عنه- إلا أن قال: ( إننا لا ننسى تصريحك عقب مفاوضات سنة 1930م، حين قطعت المفاوضات من أجل السودان وقلت: " تقطع يدي ولا يفصل السودان عن مصر"..)..
فهل رأيتم إلى أي حد نتسقط الرضا !!؟؟
قلت في مذكرتي المفقودة: إنني أرى أننا اتجهنا اتجاها خاطئا منذ أن لبسنا الطربوش المصري مجاملة للمصريين.. فقد كان ذلك إيذانا بأن كل شيء يصدر عنا إنما يصدر عن مجاملة لإرضائهم وتسقط لسرورهم، وذلك ما حصل فعلا حتى لقد ضعفت شخصياتنا وذهبت هيبتنا، وأصبحنا حيثما ذهبنا يتجاهل المصريون آراءنا ومطالبنا.. ويرددون على مسامعنا آراءهم هم ومطالبهم هم، كأنهم يقولون لنا: " هكذا قولوا وإلا فلا" !!
والحق إني أصبحت أشعر بضيق شديد من هذا الضعف، حيثما حللت.. وفي اجتماعنا مع النحاس باشا هذا، كنت شديد الضيق لأننا لا نستطيع، ولا نملك أن نبدو وفدا رسميا يعرف حقه، ويتمسك برأيه، ويصر على تفهيمه للجانب الآخر، وعلى إكراهه على احترامه، ولا نملك أن نكره السياسي المصري على أن يعلم أننا رصفاؤه لا أطفاله، أتينا لنمثل بلادنا، ولنرد حقوقنا، وأننا لا نقيم وزنا للمآدب المكتظة بأطايب الأكل والمشروبات، وإنما المهم أن تحترم آراؤنا ومطالبنا وأن نعتبر..
قلت في مذكرتي المفقودة: ويا كثرة ما سأشير إلى تلك المذكرات القيمة التي يؤسفني أن أفقدها، قلت: إني أشعر أننا قد أخطأنا منذ البداية، فقد كان ينبغي أن نطلب أن يكون السودان ممثلا في المفاوضات رسميا، وأن نستعين بشعبنا على استكراه السلطات على الإذعان لهذا المطلب الطبيعي قبل أن نغادر السودان..
على أي حال، فقد أقنعت الظروف أعضاء الوفد بأن يطالبوا الآن بهذا الحق الأولي والضروري لصيانة باقي الحقوق.. فقدمنا مذكرة للإنجليز وأخرى للمصريين بذلك.. وكان ينبغي أن نصبح مؤمنين بهذا الحق، إيمانا لا يتزحزح، وخيّل إلى أن هذا شيء بديهي.. ولكن تعال فاسمع هذا السؤال يوجهه الدرديري أحمد إسماعيل للنحاس باشا:
" ما رأي رفعتكم في دخول السودان كطرف ثالث في المفاوضات"!؟
قلت في نفسي، أعوذ بالله، ما جدوى هذا السؤال!؟
أيصح أن نطلع المصريين على أننا لا نؤمن بحقنا في الاشتراك في المفاوضات حتى لا نضعه موضع تساؤل!!؟؟
قال الباشا: " أنا أتمنى أن يصلوا إلى ذلك، وأن تقنعوا الطرفين المتفاوضين بقبول هذا الاشتراك"..
فظننت أن المسألة ستنتهي إلى هذا الحد، وتمنيت ألا يكون حق من حقوقنا موضع تساؤل مع أحد المصريين، وحول المائدة تصفحت الوجوه خوفا وطمعا.. ولكن أحدنا، لا عفا الله عنه، عاد فقال: " وماذا ترون، رفعتكم، في حالة عدم تمكن الوفد السوداني من إقناع الطرفين المتفاوضين بتمثيل السودان كطرف ثالث!!؟؟"..
وصح عزمي على أن ألطمه، وخيل إلى أني أتيت بحركة تدل على عزمي، ولكن الله لطف، فتمالكت نفسي وأنا أتميز من الغيظ.. فقال الباشا، وكأنه يمتعض: " قلت إنها مسألة ليست هينة، وعلى المفاوض المصري مسئولية خاصة بالسودان إن لم تقف مسئوليته عن مصر"..
اقتنع الحضور وسكتوا، وغبت برهة عنهم وعن نفسي، وشعرت كأن الحديث يخنقني ويضغط صدري، وذهبت أفكر في أمل السودان الذي وضعه فينا نحن الذين لا نشعر بكياننا كأفراد، ولا نحترم أنفسنا، ولا نعرف مكاننا.. فما نلتقي بسياسي مصري كبير أو صغير، إلا ونجلس عند قدميه يلقي علينا الدروس في السياسة، وأساليب الجهاد وهو في مقام الأستاذ ونحن في مقام الطلبة الخاضعين.. وقلت لنفسي: من لي بإفهام السودانيين أن تربيتنا على الطاعة العمياء في ظل الاستعمار الإنجليزي جعلتنا لا نحسن مخاطبة الأحرار..
ما أصوب رأيكم أنتم حين تقولون إنه لا بد لنا من ثورة تثير الإعزاز في نفوسنا، وتجعلنا لا نستخزي أمام الرجال الأحرار ونحن نطالب بحقنا..
ليت شعري هل أرادنا أهلنا أن نحضر إلى هنا لنقدم للمصريين خضوعنا لهم، وطاعتنا لهم، وإذعاننا باسم وحدة الوطن ووحدة الدين... الخ، أم لنقدم في قوة وعزم للمستعمرين مطالبهم ونسترد حقوقهم؟
وإني لكذلك في بحر من الهموم لجيٍّ، فإذا بالقوم قد نهضوا، إذ همّ المصور بالتقاط صورة لرفعت مع الوفد.. فنهضت وانتحيت جانبا وأنا مبتئس كئيب، فصاح رفعت: " تعال هنا.. إنت خايف تطلع معانا في الصورة دي ولا إيه!؟"
فدنوت وأنا أمهمهم: أصبت بعض ما في نفسي..
صورة طبق الأصل
هذا وقد أرسل إلينا المفاوض تلخيصه لمذكراته المفقودة وهو تلخيص ممتع حقا، وسنحاول إشراككم في تلك المتعة من حين لآخر، وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر..
الحزب الجمهوري