وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

مذكرات سكرتير الحزب الجمهوري ١٩٤٥-١٩٦٩

الأستاذ أمين محمد صديق


أمين محمد صديق - سكرتير الحزب الجمهوري ١٩٤٥-١٩٦٩

مقابلة مع السيد على الميرغني


ذهب حزب الأشقاء وحزب الأمة بالبلاد إلى هاوية كادت أن تدفع بالبلاد إلى أتون حرب أهلية.. ووصلت المهاترات إلى درجة من الإسفاف، شككتنا في أن تكون مثل هذه الدعوات تجد التأييد من زعماء الطائفتين الكبيرتين.. فرأينا من الإنصاف لهما أن نتصل بهما لنعرف أين يقفان من هذا الشر المستطير قبل أن نبدي فيهما رأيا.. فاحتلنا احتيالا لمقابلة السيد علي، لأنه كان شديد الحذر ويكتنف تصرفاته غموض شديد، فتمت المقابلة على النحو التالي:
طلب الأستاذ محمود منزل السيد على تلفونيا من نادي الضباط بأم درمان.. فحدثه شخص آخر فعرّفه الأستاذ محمود بنفسه، وطلب منه أن يوصله بالسيد على فلم يستجب له، بل طلب منه أن يحدثه بالغرض الذي من أجله يطلب السيد.. فأخبره الأستاذ محمود أن الأمر في غاية الأهمية، ولا يمكن أن يفصح عنه بشيء إلا للسيد على شخصيا.. وبعد محاورة ومداورة سمح له فتم الاتصال بالتلفون بين السيد على والأستاذ محمود..
طلب السيد على من الأستاذ محمود أن يفصح له عن موضوع المقابلة، فأخبره الأستاذ أن الأمر غير ممكن عن طريق التلفون.. فحدد السيد على موعدا للمقابلة، فذهبنا، الأستاذ محمود وأنا في عصر الخميس (لا أذكر التاريخ) إلى منزل السيد على بحلة خوجلي.. فوجدنا زوارا كثيرين والسيد جالس على كرسي وسط جمع من الخاصة، فانتحينا جانبا وبصر بنا الخليفة النور.. وبعد أن تعرف بنا ذهب إلى السيد، وأخبره بخبرنا.. فقام السيد من مجلسه ودخل حجرة ثم خرج، واستقبلنا عند الباب.. وبعد السلام، دعانا للدخول، فدخلنا وجلسنا فوق كنبة وقدمت لنا قهوة..
عرّفه الأستاذ محمود بشخصه وبي، وحدثه أن الغرض من الزيارة هذه المرة، هو التمهيد لزيارة أخرى يتسع لنا فيها زمن السيد، ولخص له القول في أنه- أي السيد علي- شخصية عامة نسمع عنه الكثير، ونعلم عنه القليل.. وإننا نرى من الواجب علينا ألا نتحدث عنه بما نسمع، وعليه فإنا نريد أن نعرفه كما ينبغي أن يعرف، ويعرفنا كما ينبغي أن نعرف.. فإن تحدثنا عنه تحدثنا عن علم، فإن لم يمكنا السيد من هذه المعرفة فإننا سوف نكون معذورين إن تحدثنا عنه بما نسمع، هذه واحدة.. والأخرى، هي أن السيد قد ساهم عن حسن نية، كما نظن، في إجازة قانون الخفاض الفرعوني.. وإن لنا رأيا في ذلك القانون، نريد أن نطلعه عليه، كما نريد أن نطلعه على ملخص رأينا في الحركة الوطنية الذي أعددناه.. فشكرنا على سعينا لاستجلاء الحقائق، ووعد بأن يحدد لنا موعدا لمقابلته في ظرف أسبوع، من ذلك اليوم، ولم يسمح بسماع البيانين فودعناه شاكرين..
بعد يومين من هذه المقابلة، حضر إلى منزل الأستاذ محمود السيد أحمد الفيل، مفتي السودان ومن كبار رجال الختمية.. وبعد المجاملة اللازمة، تطرق إلى موضوع زيارتنا للسيد علي، فأخبره الأستاذ محمود أن الموضوع خاص بالسيد على ولا يمكن الخوض فيه مع أحد غيره..
مر أسبوع، وأسبوع، ولم يف السيد بوعده..
وفي ذات يوم حضر الأستاذ درديري محمد عثمان وهو صديق شخصي للأستاذ محمود ولعله سمع بخبر المقابلة بعد رجوعه من مأمورية ببورتسودان، واقترح على الأستاذ محمود أن يذهبا سويا للسيد على على غير ميعاد (وكان الأستاذ درديري من المقربين للسيد) فرفض الأستاذ محمود هذا العرض شاكرا، ولم يتم بعدها شيء..
أما عن السيد عبد الرحمن فقد حاولنا الاتصال به لنفس الغرض، في تلك الأيام، فقيل أنه يتأهب للسفر على الجزيرة أبا..