إن الرجل الحر حرية فردية مطلقة هو ذلك الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط واحد هو أن يكون كل عمله خيرا، وبرا، واخلاصا، وسلاما، مع الناس..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)

menu search

الأستاذ محمود في الذكرى الثانية والعشرين
محاولة للتعريف بأساسيات دعوته (١٣)

خالد الحاج عبد المحمود


بسم الله الرحمن الرحيم

الأستاذ محمود محمد طه في الذكرى الثانية والعشرين
محاولة للتعريف بأساسيات دعوته



المطلق:


ضرورة المطلق في تحديد الغاية النهائية، والمعنى الكلي، تأتي من ضرورة وجود ثابت وجودي، إليه تقاس نسبة كل موجود نسبي.. فطالما أن الوجود الحادث كله محدود، ومتغير، ومتحرك، فلابد له من مركزية يدور حولها، ويطلبها في حركته، وتغيره.. وهذه المركزية لا بد لها من صفة الثبات الوجودي، وهذا لا يتحقق إلا (للمطلق) الذي لا يحتاج إلى غيره، وكل محدود هو بالضرورة يحتاج إلى غيره، وبالتالي لا يصلح أن يكون مركزا للوجود، ومرجعا لتحديد الغاية النهائية، والمعنى الكلي.. ولذلك، (المطلق) هو أصل الوجود، وغايته، وهذا ما يعطيه الفهم السليم.
يقول د. مراد وهبة: "العقل ينزع بطبيعته نحو توحيد المعرفة الإنسانية وهو من أجل ذلك يتجول في كل مجال من مجالات المعرفة، ثم يضمها جميعاً ويربط فيما بينها في وحدة عضوية بحيث لا يتيسر معها فصل عضو من الأعضاء إلا بالقضاء عليه"، ومعنى ذلك أن العقل ليس في إمكانه أن يفهم دون أن يوحد. فهو لا يكتفي بالوقوف عند المجموعات التجريدية، وإنما هو يحاول أن يجعلها تتقابل في نقطة واحدة. وكل ما هنالك من فارق بين فيلسوف وآخر يكمن في رؤيته لهذه الوحدة.
بيد أن هذه الوحدة لا يمكن فهمها إلا في مقابل الكثرة.. وإذا كانت الوحدة ترمز إلى المطلق، والكثرة إلى النسبي فمعنى ذلك أن المطلق لا يمكن فهمه إلا في مقابل النسبي ومن هنا أصدرت كتابا بعنوان (قصة الفلسفة) ( 1968) انتهيت فيه إلى أن قصة الفلسفة هي قصة العلاقة الجدلية بين المطلق والنسبي، ومفادها أن الإنسان يبحث عن المطلق دون أن يقتنصه".. من كتاب (ملاك الحقيقة المطلقة) ـ هذا القول، يجعل للفلسفة، ما لا يمكن أن يكون لها.. فالفلسفة لا يمكن، بطبيعتها أن تعرف المطلق، وتحدد العلاقة الجدلية بينه وبين المحدود، وذلك لسبب أساسي وبسيط، هو أن الفلسفة بنت العقل المجرد.. والعقل بطبيعته، يقوم على الثنائية، ولا يمكن له أن يخرج من مجالها.. العقل يمكن أن يدرك وجود المطلق، ولكن لا يمكن أن يعرف المطلق، وإلا أصبح المطلق محدوداً.. والعقل يمكن أن يدرك وجود الوحدة، ولكنه يستحيل في حقه أن يحققها، فالعقل، في إدراكه يقوم على الحواس، والحواس بطبيعتها ثنائية.. فمجال معرفة المطلق هو الدين، وليس الفلسفة ولا (العلم).. (فالفلسفة والعلم)، يمكن أن يدركا وجود المطلق ويتطلعا إليه، وهذا ما يجري منهما بالفعل، في بعض دوائرهما.. أما معرفة المطلق وإقامة العلاقة معه من قبل المحدود ـ الإنسان ـ فهذا خارج إطاريهما تماماً.. ومفهوم المطلق نفسه، يختلف في الفلسفة والعلم عنه في الدين، بصورة جذرية.. يقول د. مراد وهبة: "وفي القرن الثامن عشر، ربط كانط ربطا واضحا بين المطلق ونظرية المعرفة في كتابه (نقد العقل الخالص). يقول في متنه: (إن العقل محكوم عليه، في جزء من معرفته، بمسائل ليس في إمكانه تجنبها. وهذه المسائل مفروضة عليه بحكم طبيعته، ولكنه عاجز عن الإجابة عنها. وهذه المسائل المطروحة بلا جواب تدور على مفهوم المطلق سواء أطلقنا عليه لفظ الله أو الدولة).. وقصة الفلسفة في رأي كانط هي قصة هذا العجز.. ".. فعبارة (سواء أطلقنا عليه لفظ الله، أو الدولة.. ) تدل دلالة واضحة عن عجز الفلسفة عن إدراك مفهوم المطلق.. فهو في نظر الفلسفة يمكن أن يكون الدولة!! وحتى عندما تتحدث الفلسفة عن الله، كمطلق، هي لا تملك إلا أن يكون تصورها قاصرا.. الاختلاف الأساسي، بين الدين والفلسفة في أمر المطلق ، هو أن الدين عندما يتحدث عن المطلق، إنما يتحدث عن ذات واجبة الوجود بذاتها، وهو أمر لا يتفق لموجود غيرها، وهذا أمر لا علاقة له بالإطلاق الذي تتحدث عنه الفلسفة، فإطلاق الفلسفة على أحسن أحواله، هو تجريد عقلي!! يقول د. مراد وهبة: "فالاضطهاد لم يبدأ مع الطبيعيين قبل القرن السادس قبل الميلاد على الرغم من إنكارهم للمطلق الأسطوري الذي كان شائعا في أشعار هوميروس، ودعوتهم إلى مطلق طبيعي. فقد ارتأى طاليس بتأثير من الطبيعة المحيطة، أن الماء أصل الأشياء. وذهب الكسندر إلى القول بأن الأصل هو مادة لا متناهية، عنها نشأت جميع الأشياء الأخرى..".. فالفلسفة، والعلم المادي التجريبي، ولاعتمادهما الكلي على العقل، لا يمكن أن يتصورا، عن المطلق ، أكثر من مجرد عقلي، لا يملك أي فعالية حقيقية، في الوجود العملي، وهذا عكس مفهوم الدين للمطلق، الذي لا يرى أي فعالية، في الوجود العملي لدون المطلق.. ومما يؤكد ما ذهبنا إليه، قول د. مراد وهبة، الذي جاء فيه: "وقد كان كانط هو أول من أثار مقولة المطلق، وكان هيجل هو أول من وضعها كمقولة محورية للفلسفة. ففي كتابه المعنون (مدخل إلى محاضرات في علم الفلسفة) أثار هذا السؤال: أين نقطة البداية في تاريخ الفلسفة؟ وكان جوابه أن هذه البداية محددة بامتناع الإنسان عن تصور المطلق تصوراً حسيا، وبزوغ التفكير الخالص.. ومعنى ذلك أن ثمة علاقة عضوية بين المطلق والتفكير الخالص المجرد من أي عنصر حي.."!!.. وعلى عكس رأي الفلسفة، فإن المطلق إذا لم يتبدى في المحسوس، لا يمكن أن يعرف، وهذا ما عليه الدين.. وهذا يقودنا إلى موقف د. جلال العظم من المطلق الديني، فهو يقول في كتابه (نقد الفكر الديني) عن المطلق الديني: "يقول أصحاب هذا المذهب أن العقل الإنساني قاصر عن أن يعرف طبيعة الإله وعن أن يحيط به ولو إحاطة جزئية. إنه عاجز عن تصوره، وعن التعبير عن طبيعته.. عبر البعض عن هذا الرأي بقولهم عن الله: (كل ما خطر ببالك فهو خلاف ذلك). توجد عدة اعتراضات على هذا الموقف: أولا هل بإمكاني أن أقيم أية علاقات جدية بيني وبين هذا الإله الذي تتجاوز طبيعته تجاوزا مطلقا منطقي و مشاعري وأفكاري ومثلي وآمالي؟ هل بإمكاني إن أجد عزاءً في إله جل ما اعرف عنه هو انه مهما خطر في بالى من أفكار وصفات فهو يختلف عنها اختلافا مطلقا؟ إن وجود مثل هذا الإله، وعدم وجوده سيان بالنسبة لي. إن هذا الإله ليس إلا تجريدا فارغا من كل معنى ومحتوى..".. إن اعتراضات، العظم هذه مجرد مغالطات جوفاء، مبنية على ما هو مناقض للفهم الديني في أي صورة من صوره، مما يلم به أبسط الناس إلماما!! فالدين كله أساسا يقوم على خلق العلاقة بالله (المطلق)، الأمر الذي ينفي العظم إمكانيته ابتداء، من منطلق أن الله تعالى في إطلاقه، يتسامى عن كل قيد أو محدودية.. فالعظم، يجهل، أو يتجاهل، أن المطلق في الدين، فعلا تقيد، وتنزل من إطلاقه ليعرف ـ وهذا أمر بديهي في الدين ـ فالمطلق ظهر، وتقيد، بالخلق الذين هم تجسيد قدرته.. فأرسل رسل العناصر، ورسل العقول، ورسل الملائكة، ورسل البشر، ليتعرف لخلقه، ويعلمهم المنهاج والوسيلة التي تعينهم على إقامة الصلة به.. وخلقه هؤلاء الذين يتعرف إليهم، ليسوا أغيارا، وإنما هم تجسيد إرادته.. وقال عن الإنسان، وعن الوشيجة التي جعلها لتربطه به: (فإذا سويته، ونفخت فيه من روحي..) .. وقال في الحديث القدسي: (ما وسعني أرضي، ولا سمائي، وإنما وسعني قلب عبدي المؤمن).. ولا شك أن العظم يعلم أن المسلمين، يؤمنون بأن القرآن هو كلام الله.. وهو واضح جدا، وميسر جدا، لنفهم عن المطلق، لأن المطلق فيه تنزل، ونزّل كلامه، في صورة لغوية تدركها عقولنا. وقال فيه: (إنا جعلناه قرآناً عربيا، لعلكم تعقلون).. وفي هذا القرآن وصف نفسه بأوصاف جعل لنا فيها مشاركة.. فوصف نفسه بأنه حي، وعالم، ومريد، وقادر، وسميع، وبصير، ومتكلم، وجميعها صفات لنا فيها مشاركة، وإن تكن في حقنا في طرف النقص، وفي حقه تعالى، في طرف الكمال.. فإذا كان العظم يجهل هذه الأمور الأولية، فلماذا كل هذه الجرأة، في الزعم بنقد الفكر الديني!؟
يقول الشيخ عبد الغني النابلسي في موضوع الإطلاق والقيد:
تقيدت والإطلاق وصفي لأنني * على كل شيء حين لاحين قادر
وفي مرتبة التقييد أظهرت رحمة * ومرتبة الإطلاق أني ساتـــر
يقول الأستاذ محمود: "وإنما كان الإطلاق في الإسلام أصلا لأنه لا يرى لترقي الفرد حدا يقف عنده، فهو عنده سائر من المحدود إلى المطلق، أو قل مسير من النقص إلى الكمال ـ والكمال المطلق. فنهاية العبد في الإسلام كمال الرب، وكمال الرب في الإطلاق، والله تبارك وتعالى يقول: (وإن ليس للإنسان إلا ما سعى * وإن سعيه سوف يرى * ثم يجزاه الجزاء الأوفى * وأن إلى ربك المنتهى) يعني منتهى السير".. وليس السير إلى الله بقطع المسافات، كما قلنا آنفا، وإنما هو بتخلق العبد بأخلاق الرب، والله تعالى يقول: (يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه) أردت أو لم ترد لقاءه، وأين يكون لقاؤه؟ أفي أرضه أم في سمائه لقد قال جل من قائل: (ما وسعني أرضي ولا سمائي وإنما وسعني قلب عبدي المؤمن) فأنت إذن إنما تلقاه فيك، وبه لا بك. وفي ذلك قال المعصوم: (تخلقوا بأخلاق الله إن ربي على سراط مستقيم).. والله تعالى يقول: (كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون).. فالله تعالى يسيرنا إلى ذاته بإرادته، وذلك عن طريق إرادتنا.. وإرادتنا مخلوقة لنا.. فالإنسان سائر إلى المطلق، ولن يبلغه، وذلك لسبب واحد بسيط هو أن المطلق لا يبلغ، وإلا لما كان مطلقا.. وكل ما هنالك أن الإنسان كلما ترقى نحو الإطلاق أدخل طرفا من الإطلاق في القيد، وظل الإطلاق في إطلاقه.. فغايتنا النهائية هي أن نحقق الإنسان الكامل، الذي هو في الملكوت، هنا في الأرض، وهذا أمر مقدر لنا.. والإنسان الكامل ليس مطلقا، وإنما هو منفتح على الإطلاق.. وهو، إنما لم يكن مطلقا لأنه محتاج إلى المطلق، وذلك معنى انفتاحه على الإطلاق.. فالإنسان كما قررنا منذ أول حلقة من كتاباتنا هذه ـ من الله صدر، وإلى الله يعود.. وإنما تكون العودة إلى الله بوسائل العودة إليه، ومنها وسيلة الإسلام، ووسيلة القرآن، ووسيلة الجماعة.. فينبغي أن توظف هذه الوسائل، وغيرها من الوسائل، بالصورة التي تفضي إلى الغاية المنشودة منها.. وأول التوظيف، وأساسه، التحديد الواضح لما هو وسيلة، وما هو غاية.. ثم استخدام الوسيلة الاستخدام الأمثل، والذي يجعلها تفضي إلى الغاية المرجوة منها.. فبدون دخول المطلق، واعتباراته، في جملة الصورة وفي تفاصيلها، لا يكون السير، إلا سيرا في التيه، بلا هدف نهائي، وغير مرتبط بطبيعة الوجود، والطبيعة الإنسانية، وبلا اتجاه.

خالد الحاج عبد المحمود
رفاعة في 13/8/2007