((٣))
التقلاوي بيرى أن الحكم الماضي ما فيه دستور، وجاب الممارسات الحصلت في تطبيقنا للحكم الماضي، محمد سليمان بنفس الصيغة. المسألة مش ساهلة بالصورة الإنت تقول إنه دا كلام فارغ ساكت، وديل ناس ما عايزين الإسلام، هم صادقين في النقطة دي. ما بضروا هم الإسلام في الحقيقة. أنا أؤكد لكم أنه النوع دا من الناس الأذكياء البيجيبوا مشاكلنا الحقيقية في تفكيرنا الإسلامي ليعرضوها علينا، بيعينونا على التفكير. قبيل أشرنا إلى أنه ما في. ديننا في المرحلة الحاضرة بصورة خاصة عايز فهم، عايز فكر، عايز ممارسة في العبادة والتطبيق عشان نفهم. الناس اللي قالوا لينا أنه الحكم الماضي ما فيه دستور إسلامي، كتير مننا أساء بهم الظن. واتهمهم. والحق هو دا. الحق هو أنه نبينا وحده هو اللي كان بيعرف الدستور الإسلامي. اللي هو القرآن. القرآن ما فهمه في مستوى الدستور من السلف إلا النبي. ومن أجل دا ربنا شرَّع عن طريقه هو وحده، لأنه تشريعه بيجي دستوري لفهمه للدستور. زي ما قال "أدبني ربي فأحسن تأديبي". بعد ما أدبه وأحسن تأديبه أرسله.
"أدبني ربي فأحسن تأديبي ثم قال: خذ العفو، واْمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين". هنا الأقوال القالوها الجماعة تقتضي أننا نحن نفهم ونتعمق في فهم ديننا، لأنه الدين الإسلامي مش للسودان، الدين الإسلامي مش للبلاد الإسلامية هسع، الدين الإسلامي مرشح للبشرية كلها. نحن إذن يجب أن نفهم المشاكل البشرية كلها وننظر في ديننا:
هل هو عنده الطاقة لتوجيه حاجة البشرية والتخطيط لها أم أنه مرحلي أو محلي. فالناس المثقفين ثقافة غربية البناقشوا المسائل دي على المستوى دا، أنا أفتكر حقه يُحترموا مش يُساء بهم الظن. وأنا أؤكد لكم أنه ما بنسيء بهم الظن إلا لعجزنا نحن عن التفكير في مستوى ما يثيروه من مشاكل.
الإسلام ما بجيئه ضرر من النقطة دي، لكن دعاة الفكر الإسلام اللي بيقصروا عن فهمه بينضروا هم. وحماية لأنفسهم يوزعوا الاتهامات على الناس المثقفين البيفكروا. في مرحلة الشريعة ما في دستور إسلامي. الدستور في القرآن مش في الشريعة. الناس اللي خايفين من الدستور الإسلامي بالصورة اللي كتب عنها التقلاوي وكتب عنها محمد سليمان متجهين للدستور العلماني.
كأنه نحن هسع عندنا ثلاثة مستويات يمكن أن يجيء منها الخطر: تمرير توصيات سنة ٦٧ ـ أو الدعوة للدستور الإسلامي، الما مفهوم، الجاهل ـ أو الدعوة للدستور العلماني. الناس اللي بيدعوا للدستور العلماني خايفين من الدستور الإسلامي، اللي هو بعتقدوا أنه ما هو صحيح، أو واحدين قد يعتقدوا أنه زي ما صرح مثلاً التقلاوي أنه الإسلام دين مش دولة.
أها هنا اتجهوا، مش التقلاوي وحده، أنا أفتكر أنه كتير منكم يقرأ لكاتب لامع جدا [هو] خالد محمد خالد. خالد محمد خالد بيعتقد أنه الدولة جاءت فيما بعد، بعمل الأذكياء بس، لكن الإسلام دين. ودا طبعا غير الحق. لكن المسألة دي بتدلكم على أنه الإسلام عايز من دعاة الإسلام أن يفهموا فهم تمام، مش أن يصرفوا الكلمات اللي بتقال دي بسهولة ليتخلصوا منها.
الناس المتجهين للدستور العلماني برضو بيجيئنا منهم خطر. الخطر في الدستور العلماني بيجيء من أنه دون المستوى المطلوب، بشريا، إنسانيا في وقتنا الحاضر. نحن هسع بنعيش في مثلاً النصف الثاني من القرن العشرين. انتهت الحرب العالمية منذ ٢٢ سنة. منذ ٢٢ سنة الناس ما قدروا يعيشوا في سلام.
باستمرار مما أن انتهت الحرب سنة ٤٥ في تسلح مستمر، وسباق في التسلح. وإذا كان نحن نعيش في سلام وما قامت حرب عالمية تانية في مدى الـ ٢٢ سنة، السبب فيها مش أننا وصلنا لحل مشاكلنا، نحن البشر في الكوكب دا، لكننا نحن خايفين من الحرب.
الكتلتين الكبيرتين في الشرق وفي الغرب، السوفيت والأمريكان، عندهم الأسلحة الفتاكة، الأسلحة الذرية، الأسلحة النووية والهيدروجينية، اللي عرف أنه أي من الكتلتين لو قامت بإشعال حرب بيحصل من الضرر ما لا يكون معه أي نوع من الاستقرار. ما يكون في أي نوع من السلام معه. ما بيطلع إنسان منتصر ليكون هو صاحب السلام.
فالحالة اللي نحن فيها، بقول، في حالة السلام اللي نحن شايفنها، في مناوشات إقليمية، نعم، لكن حرب عالمية ما جاءت؛ مش لأنه وصلنا إلى مستوى السلام. سلامنا دا سببه الخوف من الحرب. في الحرب العالمية الأولى، كلكم عارفنها في التاريخ، لمَّن انتهت سنة ١٩ بريطانيا كانت منتصرة في السلام، وكانت صاحبة عالم ما بعد السلام.
عالم ما بعد السلام نظمته بريطانيا. في الحرب التانية، بريطانيا هي السبب في النصر، لكنها ما استطاعت أن تسيطر على عالم ما بعد السلام. أنا بفتكر أنه في ظاهرة تاريخية فريدة: زمان كانت كل حرب تنتهي، الإنسان المنتصر هو السيد.
الظاهرة التاريخية الفريدة هي أنه بعد الحرب الأخيرة، المنتصر مش السيد. حتى صيغت الجملة الطريفة اللي قيلت أنه "بريطانيا كسبت الحرب وخسرت السلام". أها الموقف دا عنده دلالة شديدة على أنه المدنية الغربية ما بتستطيع أن تستوعب طاقة بشرية القرن العشرين. المدنية الغربية وصلت نهاية مقدرتها التطورية، أو قول وصلت الطريق المقفول. طاقة الإنسان المعاصر بتتطلب مع الكفاية المادية، بتتطلب الحرية. المدنية الغربية قائمة على أسس مادية، واتجاهات مادية. الاتجاهات المادية دي في الحقيقة تستوي فيها الشيوعية في الشرق أو الديمقراطية في الغرب.
المدنية الحاضرة سميت، أو المجتمع بتاع المدنية الحاضرة سمي مجتمع الاستهلاك. بمعنى أنه الآلات بتاعاتنا، والصُناع بتاعننا يدوّروا لينتجوا ونحن نستهلك. يعني عربات كثيرة، ثلاجات كثيرة، راديوهات كثيرة، تلفزيونات كثيرة، سينمات كثيرة. بنقول المجتمع الحاضر سمي مجتمع الاستهلاك.
كأنه الإنسان ينتج ويستهلك ويتوسع في الانتاج ويتوسع في الاستهلاك. أها قامت الحركات الشاذة. برضو ناس كثيرين من الناس يشوفوها حركات تفسخ في القرن العشرين. زي مثلا حكاية البيتلز وزي حكاية البروفوز وزي حكاية الهيبيز. الشباب الأرسل لحيته وشعر رأسه ولبس البنطلون المرقع وبقوا يبيتوا في الشوارع، ويعيشوا عيشة أقرب إلى الغابة، ديل كأنما قالوا إنه الإنسان فقد فرديته، وفقد نفسه في المجتمع الحاضر. "نحن بنرفض أن نعيش في المجتمع دا". عايزين حتى المجتمع الساذج البسيط، اللي طلباته المادية بسيطة، ولكن الإنسان يجد نفسه، مش يضيع في الانتاجية الكبيرة والمجتمعات الكبيرة. هي، الحقيقة، النقطة الحاصلة في اضطرابات الشباب وفي حركات الشباب، وفي إضرابات الطلبة اللي اجتاحت أوروبا واجتاحت العالم الشرقي زي ما اجتاحت العالم الغربي هي في واقعها من دلائل الصحة، مش من دلائل المرض. كأنما الإنسان ضاق بالوضع دا، بيبحث عن حاجة، هو ما مهتدي ليها، هو ما عارفها وين، لكن شاعر بيها. دا الشعور القبيلك قلناه، أنه موجود.
الإنسان عايز الحرية لكن قد لا يعرف يجيبها من وين. والإنسان حريته لا يمكن أن تجيء بمجتمع الاستهلاك. لا يمكن أن تكون حريتنا نحن في أن نجد الحطام الكثير، وننغمس في الترف والاستهلاك. وإلا بكون دا، الإنسان في الحالة دي بيكون زي السائمة، زي البهيمة الوجدت المرج الأخضر واسترسلت فيه. أها دا ما الإنسان. الإنسان مهما إنت أعطيته من الجانب المادي لا بد له من جانب الحرية والروح.
ولذلك الدستور العلماني خطأ في محتواه لأنه في بلاده أعلن فشله.. الدستور العلماني معناه الدستور الدنيوي.. في بعض الناس قالوا الدستور العلماني معناه الدستور العلمي دا خطأ.. لمن تقول أنت دستور ديني مقابل ليه دستور علماني ... دنيوي يعني يهتم بمسائل الدنيا.. الدستور العلماني النحن بيتجه ليه بعض الأخوان خوف من الدستور الإسلامي المزيف فيه ضرر كبير.. في محتواه فيه ضرر.. ونحن بنشوف انه طلايع البشرية القايمة على الاتجاه العلماني فشلت واحتارت.. ومن دلايل فشلها الكلام القلته ليكم.. ٢٢ سنة البشرية في حيرة.. ما قادرة تستقر.. وما عندها السلام الحاضر دا إلا لأنها خايفة من الحرب.. السلام البيجيء من الخوف، المعيشة البتجيء تحت ظل الخوف ما ها معيشة طبيعية.. فالدستور العلماني إذن فاشل في محتواه..
تاني في نقطة تخلينا برضه نحن السودانيين بصور خاصة ما ننصرف للدستور العلماني هي أنه شعبنا بيحب الدين ويمكن أن يتضلل بالدين وفي دعوة دينية قايمة.. والدعوة الدينية بمارسوها ناس جهلة.. بتمارسها الطائفية، وبمارسوها فقهاء ما عارفين حقايقها، وبمارسوها ناس بيعيشوا بيها.. بمارسوها ناس بستغلوا الدين للتنظيم السياسي لأن ينالوا المناصب..
فإذا كان نحن خلينا ميدان الدعوة الإسلامية فاضي ليمشوا المثقفين او بعض المثقفين جمهور منهم كبير ليدعوا للدستور العلماني كأنما تركنا الشعب غنيمة سايغة للناس البيضللوه باسم الإسلام..
أنا بفتكر أنه في اعتبارات في الدستور بتاع سنة ٦٧ يجب رفضها ودا القلت ليكم فيه انه شوه الحقوق الأساسية ..
توصيات سنة ٦٧ قايمة على تشويه وانتقاص للحقوق الأساسية بتعديل المادة ٥/٢ بالصورة القلناها.. يبقى مسألة الدستور العلماني القلنا عليه هسع في أنه خطأ.. خطأ في المرحلة التكتيكية نفسها.. في أننا بنخلي ميدان الدعوة الإسلامية فاضي، وفي محتواه.. الدعوة إلى الدستور الإسلامي المزيف ودي خطيرة جدا وتجب مناهضتها..
لكن ما في سبيل لمناهضتها في الحقيقة إلا الاتجاه للإسلام الصحيح.. والإسلام الصحيح بنتجه ليه مش لمجرد أنه بمكننا من هزيمة الطائفية.. لأنه بننازل الطائفية في ميدانها بيه.. مش لمجرد دا.. لأنه هو قبلة الناس كلهم.. في مستقبل البشرية لا يمكن ان يكون في حل لمشاكل المدنية الحاضرة.. مدنية الاستهلاك أو الحضارة المادية الحاضرة.. إلا إذا لقحت بالروح الإسلامي..
أها نحن افتكر هنا راح نمشي في مدانا في كلامنا عن الإسلام بالصورة النحن نعتقد انه (١) تكفل الحقوق الأساسية؛ (٢) تحرز الدفاع عنها؛ (٣) يكون حل مشاكنا نحن في البلد ترشيح للإسلام ليكون دستور العالم في مستقبل الأيام لأنه مشاكل البشرية كلها اصبحت واحدة في الوقت الحاضر.. أها هنا دا يسوقنا للإسلام أو الدين والشريعة القبيلك اتكلمنا عنهم بصورة موجزة..
في صورتنا الموجزة قلنا إنه الدين ما بنتهي.. الدين سرمدي.. الدين ما بنطوره نحن.. نحن بنتطور في فهمه.. أها قول القرآن.. الدين كله اشتمل عليه القرآن.. حتى لمن جات الآية (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) معناه أنه الإسلام كله كمل إنزاله بين دفتي المصحف..
القرآن دا نحن ما بنطوره لكن كلما اتطورت فهومنا بالتراث البشري المعاصر واستيعابه وبوسائل العبادة والمعاملة والتخلق نفهم.. نتطور في فهم القرآن.. أها القرآن نزل على مستويين.. القرآن مثلا نزل القرآن المكي والقرآن المدني.. القرآن المكي استمر زي ١٣ سنة..
القرآن المدني قريب من ١٠ سنين.. نحن برضه الحاجة المألوفة عندنا أن نقول بس دي آية مكية ودي آية مدنية.. أو دا قرآن مكي ودا قرآن مدني.. ويجوز نفرق في أنه الزمن في النزول مختلف ومكان النزول مختلف.. لكن الحاجة النحن عايزنها تكون واضحة انه مستوى القرآن برضه مختلف..
مستوى القرآن مختلف في المعنى القلنا بيه أنه القرآن نزل في أصول بعدين من الأصول نزلت فروع.. في مكة نزلت أصوله.. أصوله قايمة في المكان المهم جدا في ناحيتنا نحن في الديمقراطية قايمة على آيات الإسماح.. آيات الإسماح يعني (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن).. (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين).. (فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر).. (وما على الرسول إلا البلاغ المبين).. آيات كتيرة في الناحية دي كان عليها العمل في مكة.. بمعنى انه الناس في مكة أمروا بان يدعوا وان يتحملوا الأذى في سبيل الدعوة ولا يردوا الأذى.. ودي طبعا السيرة معروفة في الوضع دا..
أهي دي جاية من الأمر بالدعوة بالتي هي أحسن.. الدعوة بالتي هي أحسن مثلا تكلم الناس بالحق.. يتعرضوا ليك بأذى تحتمل الأذى ولا ترد الأذى.. الآيات دي استمرت ١٣ سنة.. الآيات دي فيها الحقوق الأساسية.. الحقوق الأساسية قايمة في حرية العقيدة.. قال ليه (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).. (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) دي حرية عقيدة واضحة.. أها حرية الرأي، حرية الفكر يعني جاية في (فذكر إنما انت مذكر، لست عليهم بمسيطر).. أو في (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي).. ولو أنه الآية دي مدنية لكن هي في مستواها وفي روحها هي من الآيات المكية في الأصول (فذكر إنما انت مذكر، لست عليهم بمسيطر) أو (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي).. العمل دا لمن استمر ١٣ سنة، تمت الهجرة، كأنما حصل يأس من ناس مكة في أن يستجيبوا.. تمت الهجرة إلى المدينة، وقبلها كانت في هجرتين إلى الحبشة.. لمن جات الهجرة إلى المدينة بدأ القرآن المدني.. القرآن المدني بدأ بمفارقة للإسماح.. بدأ باتجاه نحو الجهاد او قول الإكراه..
فجات (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير).. (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير).. كأنه عندما تمت الهجرة إلى المدينة بعد نزول الـ ١٣ سنة من القرآن المكي وبدأ نزول القرآن المدني بدأت الاتجاهات للإكراه.. بدأ بـ (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير).. ثم مشت لي قدام (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا)..
بعدين مشت لي قدام وهي دي ما سميت آية السيف (فإذا انسلخ الشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم).. بقت آيات المدينة في المضمار دا ناسخة لآيات مكة.. يعني القول بـ (فذكر إنما انت مذكر، لست عليهم بمسيطر) أصبح منسوخ.. والقول بـ (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) أصبح منسوخ.. منسوخ في حق الشريعة يعني يمكن النبي ان يمارسه في الموضع البناسبه لكن هو مسيطر.. الحاجة المهمة أنه (لست عليهم بمسيطر) اصبحت منسوخة واعطي السيطرة.. الحديث جاء (أمرت ان أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.. فإذا فعلوا عصموا مني اموالهم ودماءهم إلا بحقها وأمرهم إلى الله).. وجاء الجهاد، في حق المشرك يجاهد ليدخل في الإسلام..