وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

شرف سورة الفاتحة

مؤتمر عيد الفطر المبارك ١٣٩٠ هـ - الجلسة الثالثة

شرف سورة الفاتحة

شرف الفاتحة قلنا جاءها من الآيتين: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ . صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)... وقلنا: الاستقامة أو الصراط المستقيم هو الوسط بين طرفي الإفراط والتفريط.. لما جاب (غير المغضوب عليهم، ولا الضالين)، الصورة في المغضوب عليهم لأمة اليهود، وفي الضالين لأمة النصارى.. والغضب جاء على اليهود، لتفريطهم في جانب الله، وإفراطهم في ماديتهم ومطالبهم.. الإفراط في المادية.. بعدين الضلال جاء للنصارى لإفراطهم في الروحانية.. الضلال جاء لإفراطهم في الروحانية.. الوسطين ديل بيتجاذبوا الإنسان العابد، وهو حركة زي البندول بيناتهم.
الصراط المستقيم أن يتخلص من عيوب هؤلاء، ومن عيوب هؤلاء.. ومعنى ده أن يكون على جادة التوسل بالمادة للروح، السير بنعم الله المادية إلى الله.. وجاءت الإشارة النبوية: "الدنيا مطية الآخرة".. ده تنظيم دقيق، وده ما قائم عليه أمر ديننا.. تتخذ من الدنيا ما يعينك على آخرتك، لا تنغمس في الدنيا وتنقطع عن الآخرة، ولا تفتكر نفسك ملك ما عندك حاجات مادية تسير بها لله، كأنك روح بالصورة دي.. فيبقى في جانب الإفراط في الروحانية، راح يكون في ضلال، وفي جانب الإفراط في المادية، راح يكون في بعد عن الله، وده هو معنى المغضوب عليهم - المُبعدين.
الصراط المستقيم ده يدق لحد ما يقولوا عنه العبارة: "أحدّ من السيف وأرقّ من الشعرة"، يقولوا.. الصراط المستقيم هو ده.. دقة إلى حدود تعجز التصور.. بعدين يبتدي برضو، هو مستقيم بين، في الحديث النبوي، بين الحلال والحرام.. في حديثنا النبوي: "الحلال بين والحرام بين".. ديل ما عايزات حتى علم كثير... لكن قال: "وبينهما أمور مشتبهات".. أها المشتبهات ديل يتفاوتن في الدقة، لغاية ما يجن عند الصراط المستقيم.. "وبينهما أمور مشتبهات" قال، "فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ ولعِرْضِهِ".. ولذلك تجيء في المنطقة دي، منطقة الورع.. صاحب الحلال البين والحرام البين ده المسلم العادي.. بعدين لما يطبّق في اجتناب الحرام وأن يأتي من الحلال ما هو ضروري، وما يستطيعه، يبقى دخل بالعمل الزايد دخل في منطقة الورع.. والورع حذر لأنه علمه قليل، وخوفه كثير.. خوفه من الله كثير، وعلمه وبصره بالمسائل قليل.. ولذلك قالوا: (الورع هو الذي يترك ٧٠ باب من الحلال خوف الحرام).. ٧٠ باب من الحلال يتركها لأنه فيه وسوسة.. كل جانب من الجوانب يشوفه ما تطمئن له نفسه، لعله حرام، لعله حرام، لعله حرام.. فيترك ٧٠ باب من الحلال خوف الحرام.
من الورع ده تجيء المعارف، لأنها مجاهدة في سبيل الله.. (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا).. المعارف تجيء بالفرقان ده، اللي هو نور في العقل، بيهو المسائل الدقيقة تظهر كبيرة.. كأنك بتنظر في الحاجات الصغيرة بمجهر، بتلسكوب.. حاجات ما بتنشاف للعين المجردة تشوفها أنت بالمكبّر.. العقول الكبيرة، الحاجة الصغيرة يشوفوها واضحة، زي الفرق بين النور والظلام.. في الوقت اللي يكونوا الناس العاديين كأنهم في ظلام، المفكر الكبير يعرف النور في الظلام ده ذاته ويسير.. (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا).. وفي المجاهدة في منطقة الورع، الإنسان يدركه موعود الله.. (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا، وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ).. معيته بالتوفيق.. معيته بذاته.. في القمة تجيء معيته بذاته.. الله مع المحسنين العمل والفكر بذاته في النهاية.. بأفعاله، بصفاته، بأسمائه، لغاية ما يبقى بذاته.. وفي الصراط المستقيم الذات.

والصراط المستقيم قمته ما اتفق لنبينا في الجمعية الكبيرة في المعراج.. وجاء عنها الحديث بـ (إذ يغشى السدرة ما يغشى) من التجلي الإلهي يعني، (ما زاغ البصر وما طغى).. المرجيح بين اليمين والشمال، انتهى في مرحلة من مراحل التجلي الذاتي.. والتجلي الذاتي ما بدا لنبينا بالصورة دي، وإنما هو تدرج في المعارج السبعة اللي وصفها، وعند سدرة المنتهى، عندما تخلف جبريل، كأنما تخلف الفكر.
هو أصله الفكر حركة بين اليمين والشمال.. الفكر ما بيدرك إلا بالاثنين ديل: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).. لولا أنه ربنا خلق الأزواج، نحن ما يمكن أن نعرفه، لأنه الفكر، زي ما هو معروف، لا يدرك الشيء إلا بضده.. إذا كان في الحلو، به يُعرف المر.. إذا كان في البارد، به يُعرف الساخن الحار.. إذا كان في الخير، به يُعرف الشر.. لكن لو الأشياء شيء واحد، الفكر ما يدرك شيء.. ولذلك ربنا تنزل من وحدانيته المطلقة إلى وحدانية فيها الثنائية.. إلى وحدانية فيها الثنائية.. تنزل من الحقيقة إلى الحق، وبقى ضده الباطل.. من هنا أُدرك.
هنا لما قال: "ما زاغ البصر وما طغى" دي مرحلة التجلي الذاتي.. ولولا أنه نبينا بقى وحدة، ومعنى وحدة أن الفكر وقف.. بقى القلب هو اللي تقدم.. لولا أنه بقى وحدة، لا يشاهد الذات.. ولولا أنه برز لمقام شهود الذات، لما تخلف جبريل.. مجرد تخلف جبريل، ترشيح له ليرى الذات الإلهية التي لا يستطيع جبريل أن يراها، لأنه ما عنده ذات.. البشر عندهم ذوات، الملائكة ما عندهم ذوات، إنما هم من نور العقل.. لكن البشر من نور النفس.. من نور النفس، من الذات.
الذات البشرية ترى الذات الإلهية عندما تتكمل بالأنوار العرفانية في السلوك، لغاية ما ترفع حجاب الفكر.. حجاب الفكر هو اللي أشار له بأنه الحركة وقفت.. "ما زاغ البصر وما طغى".. "إذ يغشى السدرة ما يغشى" من التجلي، درجة، درجة، لغاية ما استعدت للتجلي الذاتي، فوقفت الحركة.. "ما زاغ البصر" يعني نبينا ما فكر في مكة خلى شنو.. ماضيه ما اشتغل به، "وما طغى" ما خاف يحصل شنو في المستقبل.. وإنما أصبح هناك وحدة ذاتية، زي ما بنقول دائما، في وحدة زمانية، في وحدة مكانية.. كأنما خرج عن الزمان والمكان.. ليدرك من لا يحويه الزمان ولا المكان.. ليرى، ليشاهد، من لا يحويه الزمان ولا المكان، اللي هو الذات.. وده في داخل الصراط المستقيم.
فإذاً كل سلوك السالكين، ونحن قلنا العبارة دي، أعز مطالب الرجال هو الصراط المستقيم.. بعدين الآيتين ديل حون السير في الصراط المستقيم من البداية، زي ما أشار عبد اللطيف.. الصراط المستقيم هو العمل بالشريعة.. الائتمار بالأوامر والانتهاء عن النواهي.. بدايته اهي دي، بعدين تدق زي ما قلنا في الحرام بين والحلال بين، لغاية ما تجيء في المعارف الكبيرة اللي يكون بها بإتقان العمل بالشريعة، تمشي للحقيقة.. بإتقان العمل بالحقيقة، تمشي للذات.. فالعمل بالشريعة، إتقان العلم في الشريعة إتقان العمل به عبادة.. العبادة تثمر الحقيقة.. العابد في شريعته بتجويد يصل للحقيقة.. العلم بالحقيقة يوجب العبودية، والعبودية هي تصحيح حالك من الرضا بالله.. كل ما أنت استقمت في المسألة دي بدقة، تصل إلى الله في ذاته، فيكون لك حظا من الشهود الذاتي، وده في الصراط المستقيم، اللي هو أدق من الشعرة وأحد من السيف.. ولذلك كل القرآن موظف للصراط المستقيم.. اهي دي جُمعت في "الحمد" في "اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم".
وكلمة قالها عبد الرحيم محمد أحمد هنا، قال: السؤال فيه أدب، مش سؤال عن المعارف، إنما سؤال عن السلوك.. وده دائما الحقيقة نهج الصوفية.. الصوفية ما بيسألوا عن المعرفة، ولا بيتكلموا عن المعرفة، إلا لتشحذ همّتهم.. لكن يتكلموا عن طريق تحصيل المعرفة.. ودي تركها عندنا يوسف جورج ومشى، لمّاً قالوا امبارح، وكان بيستغفر على أن يتكلم عن سر السر.. بيستغفر لأنه بيشعر بأنه هو كاذب، ده ما مشهده، يتكلم فيه ليه؟ أحسن حاجة هو يسأل عن كيف يصل للصراط المستقيم.. أهو دي أشار ليها هسه عبد الرحيم في: "اهدنا الصراط المستقيم".. دائما طلب العباد والسالكين هو أن يُهدوا طريق العمل.. وعلى طريق العمل تترتب الهبات البتجي، (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا).
فالفضيلة إذا في الصراط المستقيم لأن فيه ذات الله.. لأن الصراط المستقيم يخرج عن الزمان والمكان في تجويد دقة حضورك في اللحظة الحاضرة.. ده أفتكر هو الأدى التشريف للآيتين وللحمد.
ـ