وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

الزهد والمحبة - البكاء والتباكي

ندوة المحبة كمنهاج تسليكي - ١٦ أغسطس ١٩٧٣

الزهد والمحبة - البكاء والتباكي

نحن بنتعادى ليه؟ بنتعادى لأنه الرزق ضيق.. دائمًا فتشوا عن الرزق.. ولذلك واضح عندكم أنه البيئة الخارجية، زي ما قالت عنها بتول، لتستقيم البيئة الداخلية حقو يكون البيئة الخارجية منظمة بالصورة اللي تخلي الانسان يستطيع أن يتوحد في الداخل من التوزع، من الخوف، من القلق، من الشفقة.. وبعدين هي كانت عندها إشارة طيبة جدًا في مسألة أنه في بعض الناس استطاعوا أن يتساموا عن بيئتهم.. ولو أنه البيئة ما كانت مناسبة لهم ليخرجوا، لكن استطاعوا أن تكون عندهم مناعة من أن يتأثروا ببيئتهم.. استطاعوا أن يتساموا عنها، ألا تأثر عليهم نقائص البيئة، حتى أمكنهم أن يكوّنوا وحدتهم الداخلية، بيئتهم الداخلية، ليخرجوا للناس بتشريعات، تخلي البيئة الخارجية منظمة، بالصورة اللي تخلي كثير من الناس والنماذج تجي تابعة طريقهم هم، بعد ما مُهّد ليهم السبيل.
ده كان سبيله برضه الاتجاه لمسالة الرزق، الزهد ده أساس.. لا يمكن أنت تحب الآخرين إذا كانت مطامعك كبيرة، لأنه بكون في شعور انهم بيضايقوك.. والمتنبي في بيته داك أو بيتينه اللي قالهم، قال: (كل ما أنبت الزمان قناةً، ركب المرء في القناة سناناً) قال: (ومراد النفوس أهون من أن نتعادى فيه وأن نتفانى).. مراد النفوس في الطمع.. وأنت ماشي لتمهد البيئة بالاشتراكية اللي بتطمئني أنا على رزقي، وتطمئنك أنت على رزقك، عشان يكون المحبة بيناتنا ممكنة.. نحن هسه، وده عبر التاريخ كان، إذا كان حاجاتنا ما قلت، إذا ما زهدنا، لا يمكن أن نستطيع أن نتسع للناس ونحبهم.. إذا أنت عايز تلم كثير، وأنا عايز ألم كثير، العداوة طوالي تجيء.. إذا أنا وأنت بنكتفي بما يكفينا، يكون عندنا سعة لأن نحب بعض، لأنه ما يكفينا بكون ميسور، إلى الحدود اللي يعني، هم مشوا ليقولوا أنه الرزق الضروري ده زي الأجل.
فمسالة الزهد هي الأساس، لابد أن تبتدئ بالزهد.. والزهد أن تكتفي بما يكفيك.. إذا كنت عايز تكون مثلًا، أنت موظف، عندك ٢٠ بنطلون، ٣٠ قميص، وكذا جزمة، بتلقى أنك أنت متوسع فيما يضرك، وما يخلي فعلًا أنت قد تتعدى حتى مواردك البتجيبها بطريق مشروع، عشان ما تعيش في مستوى زي فلان، وزي فلان، (ألهاكم التكاثر) بالصورة دي.. فالزهد هو روح كل فضيلة.. والناس اللي استطاعوا أن يتساموا عن مجتمعهم ونقائصه، اللي قالتها قبيلك بتول، دائمًا اتسموا بالزهد.. وهسع في المراحل الحاضرة دي نحن كنا بنقول دائمًا، إنه لغاية ما يجيء مجتمع الكفاية والزيادة، لغاية ما تجي الاشتراكية وتجي الشيوعية، أنه الناس كل حاجة عايزينها يلقوها بفيض الإنتاج، ما في غير الزهد والقناعة.
فالإجابة على فضل، في قاعدتها "الزهد".. أن تكتفي بما يكفيك، وأن تصرف عنك ما يزيد عن حاجتك لغيرك.. وبالصورة دي بتلقى أنه في سعة في نفسك، ألا تشعر بمزاحمة الناس ليها، ومن ثم بكراهة الناس.. دي يمكن الإيصالات اللي في الإجابة، اللي بها يكون الصلاة الحسنة، واللي بيها تكون التوبة الصحيحة، واللي بيها تكون الخشعة.. الخشعة، لأنه القلب البشري بيتدنس وبيتغطى بالحجب كلما توسع في الدنيا.. محبة الدنيا راس كل رذيلة.. والدنيا معناها الزيادة عن الكفاف.
عندهم الكفاف مش دنيا، الكفاف من الدنيا دين.. لكن التباهي بالامتلاك الواسع، والتزيّد فيه، والمفاخرة به، وطمأنينة النفس و ميل القلب له، ده ما يخلي فرصة للإنسان ليصلي صلاة حسنة.. خلي عنك أن يبكي في الصلاة.. و(إن لم تبكوا فتباكوا) معناها شنو؟ أنه اصطنعوا الأشياء اللي يمكن أن تخليكم تبكوا.. مش المقصود بالبكاء، البكاء اللي بيسموه هم زمان، بيسموه، في نوع من البكاء عند الصوفية يسموه رقّة النساء.. يعني الانسان يكون بكاي، لكن فعله ما هو في اتجاه البكاء.. وحتى يجيء أنه بكاء المنافق (إذا اكتمل نفاق المرء، ملك ماء عينيه).. منافق وبكّاي يكون.. فهنا (إن لم تبكوا فتباكوا) معناها الاتجاه العملي، اللي بخليكم بتكلّف السلوك المعين ترق قلوبكم وتبكوا.. أها القلوب بترق إذا كان قل عليها دنس الدنيا.. ولذلك الزهد هو رأس كل شيء، وبداية كل شيء.
ـ