وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

معرفة الخطأ واتهام النفس

الاستغفار والثالوث الإسلامي والصلاة - ٢٢ يونيو ١٩٧٢ - مدينة المهدية

معرفة الخطأ واتهام النفس

من الأخت محاسن، آنسة محاسن، ورد منها السؤال المسجل، وتداولوه الإخوان، وكانت فرصة التسجيل من محمد أدروب.. ومما ورد أنه الموضوع إذا كان حكم الشريعة فيه ظاهر، يبقى ما في مشكلة.. وده طبعًا واضح عند محاسن برضو.. المسألة بتلتبس عندما تدق في مجالات داخل منطقة الورع، أو منطقة أدق من منطقة الورع.
والوقفة أمام المشكلة، بعد ما حصلت المشكلة.. كان في كلام من فضل عن أنه الإنسان بيعمل الواجب المباشر بإتقان.. لكن السؤال اتعدى نقطة أنك بتملك فرصة أن تقيف قبل العمل.. إذا كان العمل ما تورطت فيه، واجتهدت في الإتقان في النظر في الواجب المباشر وكيف تتقن عمله، ثم عملت، بعد داك ما عليك إلا أن ترضى بالنتيجة، لأنه "لو" ما يجب أن تدخل هنا.. ترضى بالنتيجة اللي بتحصل بعد أن جوّدت.
لكن السؤال عن عمل وقع.. العمل الوقع بالصورة دي إذا كان الرؤية ما واضحة، يكون في التوقف.. الاقتراح اللي اقترحه أدروب في أنه الإنسان يفزع للصلاة لتنير له الطريق، كلام جيد.. كلام ورد من عبد اللطيف في أنه الإنسان إذا كان الرؤية ما وضحت له، يتوقف، وما يأخذ جانب من الجانبين كأنه.. لكن عبارة أنه المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته، دي في الحقيقة بتستعمل مع الإنسان في الخارج.. لكن النفس ما بريئة.. القاعدة دي مع السلوك مع النفس ما بتستقيم.. وإنت لتصل إلى حقيقة الأمر مع النفس، لازم تكون ضدها، فكأنها هي متهمة.. وده بيجيب نوع من المجاهدة.. وأنت سبيلك إلى أن ترى، هو السبيل اللي ذكره بدري ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾.. ومن التقوى هنا أن تكون ماك عاذر لنفسك.. لأنك بتدخل في مرتبة المجاهدة.. والمجاهدة بتبتدي من حركة الخاطر بعدم الرضا عن النفس.. وزي ما قلت لكم، في بعض العبّاد من الأول بس قاعدته، الحاجة اللي عايزاها نفسه يعمل ضدها، دي في البداية.. وما من شك أنه النفس كل ما استجابت، وكل ما كانت لطيفة ولينة، وسلسة القياد، الإنسان بيسّر عليها.. لكن حتى في النفس الكاملة، ما يكون معاها عشان تتم القسمة، يكون ضدها إلى أن يتجه أنها هي بريئة.. كأنه هي متهمة، والأصل أنها متهمة إلى أن تثبت براءتها، لكن مع الناس الآخرين قاعدتك تنعكس.. مع الناس الآخرين المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته، مع نفسك المتهم مذنب إلى أن تثبت براءته.. بالصورة دي أنت بتكون بتدخل في مرحلة المجاهدين، حتى بعدم الرضا عن النفس، والمجاهدين موعودين: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾.. والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا.. والمجاهدة زي ما قولنا بتبرز في العمل، لكن بتبتدي من حركة الخاطر بعدم الرضا عن النفس.
والنفس في الحقيقة تلبيسها كثير جدًا، تلبيسها كثير بالصورة اللي حتى يعني تسوقك إلى الطاعة، وزي ما قال عنها البصيري: (وراعها وهي في الأعمال سائمة، فإن هي استحلت المرعى فلا تسم).. يعني هي سارحة في الطاعة، أنت برضك راعيها واتهمها.. لأنه قد تجد في الطاعة لذة، اللي هي أنه الناس يمدحوها على الطاعة.. فإذا كانت بتعمل الطاعة لتُمدح بأنها طائعة، أصبحت عملها لغير الله، فصُدّها من أن تسوم - من أن تسرح - في الوادي الممرع الخصيب ده، واللي هو الشريعة بتتوافقك عليه أنه طاعة.
فهي دسائسها كثيرة جدًا، ولذلك دائمًا هي متهمة، إلى أن تثبت براءتها بعكس الـ.. والصوفية يقولوا أنه الإنسان المجاهد الناس منه في راحة، ونفسه في عذاب.. الناس منك في راحة يكون، ونفسك في عذاب، نفسك ما ترتاح.. حتى لو بقت في مرتبة الكاملة، عندها رجعة للأمارة.. بندول الساعة بالصورة دي، في لحظة من اللحظات يشد بين الكمال والنقص.. فهي عندها الصور اللي بتشوها دي، ولمن تكون ضدها أنت بتهتدي.. وتصبر.. تصبر.. دائما أنت مظنة نقص عندك، عند نفسك أنت دائما مظنة نقص.
بعدين الصورة، الإثنين من الله.. وزي ما قال عنها بدري، الهدى والضلال من الله.. لكنك أحيانًا قد يجي الخاطر نفساني، والصوفية يسموه الخاطر الشيطاني.. والشيطان عندهم النفس.. حتى في أدق تلبيساتها عندها صورة من الإيحاء الشيطاني.. فهي متجهة لتبرير عملها، ما تمشي معاها.
هنا الجانب ده من الله في الحقيقة، لكن من النفس.. من الله في الحقيقة، لكن من النفس في الشريعة.. في شريعتك أنت حتى لو كنت أنت صاحب شريعة فردية، وصاحب معرفة.. في شريعتك ده من نفسك، لكن هو كل شيء من الله في حقيقته.. وده ما مُيّز بينه وبين الرضا والإرادة.. كل شيء يجي من إرادة الله.. الكفر أراده الله، لكن ما بيرضاه منك.. فيبقى إذًا الغربلة بتجي من هنا، هن الإثنين من الله لكن ياتو البيصادف مرضاته؟ وأنت مأمور بأن تتبع مرضاة الله، مش إرادة الله.. وده التوقف فيه، ولوم النفس إلى أن تظهر أنها بريئة.. ده أسلم السبل.
بعدين المجاهدات الأخرى اللي منها حكى أدروب أنه الصلاة.. وعبد اللطيف أشار إلى النقطة دي، أنه الإنسان ما يكون راضي عن نفسه، لكن قال ما يكون راضي عن نفسه، لأنه عقله ما استطاع أن يميّز، كأنه شايف كده.. فهو هنا عنده وجه مشى ليهو، لكنه ما هو في المستوى المطلوب.. أنه ما دام ما استطاع أن يرى الخيط الأبيض من الخيط الأسود، في القضية المواجهاهو، ده ذاته نقص يوجب عليه ألا يرضى.. لكن ده مستوى من عدم الرضا أقل من المستوى المطلوب هسع عندنا نحن.
بعدين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾.. ده ما مشى ليهو أدروب باعتبار الصلاة، وعبد اللطيف اتكلم عنه، وبدري اتكلم عنه، كأنه في نقص في المجاهدة.. سدّد وانتظر، وما تصدر حكمك.. وريثما تنتظر أن يجيك النور اللي بتصدر به الحكم، نفسك متهمة، مُش بريئة.. دا يمكن يكفي في الإجابة على موضوعنا ده، إلا إذا رأت محاسن أنها تفرع عليه أو تستفسر زيادة.