وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

قيمة الطرق والبدع الحسنة في الماضي

مؤتمر الجمهوريين لعيد ثورة اكتوبر - ٢١ اكتوبر ١٩٧١ - رفاعة

قيمة الطرق والبدع الحسنة في الماضي

الدعوة في الوقت الحاضر إلى طريق محمد قايمة على معرفة حقيقية بقيمة الطرق، وما أدته للدين وللناس من خدمات، هي في الحقيقة تسير في النهج النبوي بمفارقات بسيطة.. المفارقات البسيطة سُميت بدعة حسنة.. السبب في البدعة الحسنة حكم الوقت.. الناس لمّاً كانوا أصحاب، وكانوا تابعين، وكانوا تابعي تابعين، كانت صور النبي قايمة في أذهانهم، وبيعرفوا يعملوا شنو.. لكن لمّاً بعُد العهد بالناس وإتكالبوا على الدنيا، ومشوا في طرقاتها المختلفة، واضطرتهم أن يكونوا ما هم في مستوى الصدق الديني، اللي كانوا عليه الأصحاب والتابعين وتابعي التابعين، أصبحت في جهالة كبيرة إنتشرت بين الناس، وعهد النبي بعد من الناس.. وأصبحوا محتاجين لوسيلة تربط بينهم وبين النبي.
النبي هو الوسيلة الرابطة بيننا وبين الله.. وهي الوسيلة الوحيدة المرشحة المأمونة المضمونة اللي وارد النص على توسيلها.. (لا إله إلا الله، محمد رسول الله).. الترشيح ده جعل الطريق النبوي طريق مأمون، طريق ما هو مُنافَس في ما يؤدي ليهو من الخيرات والبركات واليسر في التسليك.. وعندما بعد العهد بالنبي، جينا نجد إنه لازم نضع شيخ بيننا وبينه، لأنه أصبح بالنسبة لجهلنا وبعدنا عن المصدر الأصلي، كأنه غيب.. قبيلك ربنا لمّاً كان غيب، ما كان يمكن الوصول ليهو إلا بالشهادة، يعني بالجسد المشهود المرئي، كأنه مجسّد للكمالات الإلهية، النفس تستطيع أن تطمئن ليهو، لأنها بتراه وبتلمسه وبتحسّه وبتعاشره، ودي طبعاً الحكمة في أنه الشهادة قُرنت بالنبي.
أصله الغرض الحقيقي أنه الناس يشهدوا (لا إله إلا الله).. دي الشهادة، اللي هي العبادة.. بعدين دي ما بنطيقها.. كأنه ربنا قال: المطلوب منكم أن تشهدوا أن (لا إله إلا الله)، وقال في القرآن: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ).. لكن قال: ما بتستطيعوا دي، أشهدوا الكمالات الإلهية متجليّة في محمد.. أها بقت (محمد رسول الله).
عندما أصبح النبي برضه كأنه غيب، وما بنستطيع أن نتصوّره، لبعد العهد وللجهل ولقلة الكلمة المكتوبة، والكتب دي ما كانت منتشرة طبعاً بالصورة دي، كانت بيخطوها خط، والناس البيقروا الكلمة المكتوبة قليلين جداً، فأصبح نجيب الشيخ عبد القادر الجيلاني، يبقى الواسطة: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله، الجيلاني ولي).. (لا إله إلا الله، محمد رسول الله، السمّاني ولي الله).. (لا إله إلا الله، محمد رسول الله، السيد الحسن ولي الله).. كل واحد حسب وسيلته، والعهد بقى بعد، لكن الطرق عملت خدمة كبيرة جداً في أنها ساقت الناس في طريق السنة، إلا ما يمكن أن يقال مما سمي بدع حسنة.
البدع الحسنة، يمكن السبحة أظهرها.. هي كثيرة، السبحة أظهرها.. السبب أنه المشايخ عندما أرادوا أن يسلّكوا المريد، عايزين زي اليدوهو مقطوعية، لأنه بدخلوه الخلوة، بيكون منفصل عنهم، عايزينُّه يكون وقته كله مشغول بالذكر والصلاة والقراءة، وقليل من النوم.. ليعرفوا أنه بيعمل شنو وكيف وقته يكون ملان، جاء العدد، جات المية، وجات الخُمسية، وجات الألفية.
سُميت بدعة حسنة لمناسبتها للوقت، ولأنه المريد إذا تُرك في الخلوة وعنده فراغ، وساوسه تكتر.. تكتر الهواجس في صدره.. ما ينصلح وينفسد فعلاً.. فجاءت المسألة دي بالألفية المعروفة عندنا، لكنها ماها سنة.. سُميت بدعة، لكن بدعة حسنة بحكم الوقت.. وساروا الناس في المجالات المختلفة لغاية ما جات بصورة متوسعة مسألة النوبة، ومسألة الطارات، ومسألة الطبول.. كلها بدع، لكنها في وقتها بدع مستحسنة، لأنها بتأدي غرض في تسليك الناس وتسييرهم لربهم.
-