دي الفرصة اللي قلنا هي أخيرة.. نشأ عنها سائل فرعي من الأخ الأستاذ الفاتح علي مختار.. نرجئ السؤال الفرعي لمكانه لأنه جاي الكلام عن الإنسان الكامل.. و ما قاله عبد الله أحمد النعيم عن التقوى أعتقد فيه الكفاية.. التقوى هي بداية الدخول في الملة.. التقوى هي أن تأتمر بالأوامر، وتنتهي عن النواهي.. ودي لا يمكن أن تكون نهاية ما يمكن أن يصله الإنسان من الكمال.. وهي زي ما قال عنها عبد الله أحمد النعيم وسيلة.. التقوى وسيلة والكمال صفة.. الكمال صفة يتصف بها الانسان.
ونحن في حديثنا هنا عن التوحيد قلنا أن التوحيد صفة الموحِّد، وليس صفة الموحَّد.. التوحيد صفة العبد.. العبد الموحَّد هو العبد الذي استطاع أن يوحد، أو يحرز في ذاته، وحدة الفكر ووحدة القول ووحدة العمل.. الإنسان اللي بيفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، ثم لا يكون عمله إلا خير بالناس وبر بالناس، ده إنسان كامل..
وده ليس أقصى ما يمكن أن يصله الإنسان من الكمال.. بل إن أقصى ما يمكن أن يصله الانسان من الكمال، هو كمالات الله.. وكمالات الله لا تتناهى.. ولذلك سير العبد في الكمال سير سرمدي.. باستمرار هو يتخلق بأخلاق الله، ويقرب من الله بتقريب صفاته من صفاته - صفات العبد من صفات الرب - وهذا سير سرمدي.. ولذلك هناك يقول (وأن إلى ربك المنتهى).. منتهى السعي.. وده ما عنده نهاية.. والعبارة بأنه كمال العبد أن يكون مستمر التكوين في عبوديته، ده معناه سرمدي.. لأنه العبودية كالربوبية لا تتناهى..
فإذن ليس هناك نهاية لكمال العبد، هو سير سرمدي.. باستمرار كل ما قطع مرحلة، وعلم علم، واتحقق بهذا العلم في فكره، وفي قوله، وفي عمله، طارت أمامه منطقة جديدة يسير إليها.
أفتكر بين الإخوان الأربعة الإجابة وردت، وكل اتجاههم كان اتجاه واحد، أو قريب من بعض.. (كونوا ربانيين) معناها كونوا علماء، وحاولوا أن يكون علمكم علم الله، ارتفعوا بعلمكم دائما في تقريب صفتكم من صفته في العلم.. وعلم الله علم بذاته، مش بالجارحة.. الله ما بيعلم بالعقل.. ومعنى أن يعلم الإنسان بالذات، معناها أن يعيش العلم، وأن يطبقه.. أن يعيش علمه.. بالصورة دي، علمه يسوقه للعبودية.
أصله العلم في المجال ده معناها معرفة أسرار الألوهية.. ومعرفة أسرار الألوهية تسوس وتوجب العبودية ليهو.. والسير في العبودية كأنما هو سير في تحقيق الربوبية.. لأنه العبد إذا لزم صفاته تتجلى عليه صفات الربوبية.. زي ما قال جلال وزي ما قال الخليفة موسى، العبد إذا أطاع الله، الله يطيعه.. حتى يقول للشيء كن فيكون.
ومسيرة العبد لتحقيق ربوبيته، أو صفات الربوبية فيه من الكمال، هي التزامه لعبوديته، وهي مرتبة النقص بإزاء مرتبة الكمال الإلهي.. زي ما قال الفاتح هنا، نحن خلقنا الله على صورته، بمعنى أننا علماء، ومريدين، وقادرين.. لكن علمنا وإرادتنا وقدرتنا في مرتبة النقص، يقابلها في الكمال المطلق علم الله، وإرادة الله، وقدرة الله.. وكل ما نحن سرنا في عبادته بإتقان، كل ما دخلنا في صفاته بتخلّق.