وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

حديث الغربة

الجلسة الثانية بعد الخروج من المعتقل - الجمعة ٢١ ديسمبر ١٩٨٤م – ٢٨ ربيع الأول ١٤٠٥هـ

حديث الغربة

طيب.. أدّينا فرص زيادة، على اقتراح عوض، وتحديد بشارة، لناس مدني وناس الأبيض، ومعتقل كوبر، وسجن النساء أم درمان.
وكان أمبارح يكون التعبير يَجري بأنه المعتقلين خارج المعتقلات، والمعتقلين داخل المعتقلات، عبد اللطيف كرّرها النهار ده.. ما أصبح الآن عندنا معتقلين داخل المعتقلات، لكننا كلنا معتقلين خارج المعتقلات.. أسوار معتقلنا الجديد هي الغربة.. الغربة البيعيشوا فيها الجمهوريين، هي كل مرة بتزول، في مستوى من مستويات زوالها، ويوم خروجهم من المعتقل الحقيقي هو يوم سقوط الغربة.
وبيجي سقوط الغربة برفع واقع الناس للفكرة، أو إنزال الفكرة لواقع الناس.. وبإنزال الفكرة لواقع الناس بتحصل الثورة الفكرية.. الجمهوريين ما بيبقوا غرباء في الوقت داك، بيبقوا هم الأصل، والناس بيُهطعوا ويجوا ليدخلوا في حظيرتهم.
رفع الواقع للفكرة، أو إنزال الفكرة للواقع، بيقتضي أنه الناس يعيشوا الفكرة حتى تصبح ماشّة على قدمين بين الناس، وده ما نسميه الدعوة بلسان الحال.. الدعوة بلسان الحال أبلغ من الدعوة بلسان المقال، وما يعمله الإنسان أبلغ وأهم مما يقوله الإنسان.
فرفع الواقع للفكرة، بيعني أنه الناس يبينوا ليهم واقعهم، لأنه الناس بيكونوا في غفلة.. الواحد بيكون في مشاكل كتيرة جدًا لكن لغفلته، لجهله، لعدم وعيه، ما شاعر بواقعه، ودي عبارة رفع الواقع للفكرة. وبطبيعة الحال إنزال الفكرة للواقع، دي بتكون واضحة في معنى أنه الفكرة تكون واضحة وجلية للناس...
إنزال الفكرة للواقع ورفع الواقع للفكرة هو البتزول بهُ غربة الجمهوريين.. وده كله بيعني أنه الناس عملهم يكون أهم من قولهم.. الناس يبقوا، زي ما بترد العبارة، مَصاحِف في الدم واللحم، ماشّة.. أخلاقهم هي أخلاق القرآن، وده بيجي بالتعلُّق الشديد، والاحترام الشديد، والحب الشديد للقرآن وللنبي.
فغُربتكم قد تطول.. أو قد تقصر.. على مدى ما تبذلوه من صدق في العمل، الداخلي عشان ما تكونوا بلسان حالكم دعاة، والخارجي لتكونوا معلمين.. وده مصيركم وقدركم.
لكن الغربة دي لمّاً تنتهي، الناس مقاماتهم بتكون اتحددت.. الفرص للعمل البتغيّر المقامات دي في فترة الغربة.. ولذلك فترة الغربة دي الناس لازم يشوفوها فرصة، زي ما شافوا الإخوان اعتقالهم فرصة.. لماً دخلوا خلف الأسوار كانوا فرحانين.. دخلوا المعتقلات فرحانين، وهم عارفين أنهم جايين على قَدَر ليخلوا لي الله.

وكانت الكتابات البتجي، والأقوال البيقولوها كلها كانت في الاتجاه ده، فما حزنوا، ما ضاقوا، ما قلقوا، وهم داخل الأسوار، لأنهم شاعرين بالمعية مع الله.. آدي الجلوة.. لماً نقول الخلوة والجلوة معناها أن تنقل حالة الانحصار البتلقاها في الخلوة لتكون في الجلوة.. إنت وسط الناس وإنت منحصر، إنت من أعلاك مع الله، من أسفلك مع الناس.. كأنك إنت عندك وشّين: وشّ مما يلي الله، ووشّ مما يلي الناس.. عبادة ومعاملة، الاتنين بيقومن مع بعض، وما بتكون واحدة ناجحة بدون الأخرى.
هسّه الناس من الجلسة دي ينقلوا أسوارهم من الحيطان اللِّي كانوا خلفها، إلى أن تكون الأسوار هي الغربة.. ونحن كلنا في المعتقل ده.. الإخوان الوجدوا فرصة أسوار الطوب والحجر، بيقدروا يكون عندهم تصوّر أكتر لموضوعهم.. الإخوان الما دخلوا في الطوب والحجر، كان واضح برضو إنجازهم وتخيُّلهم لإخوانهم الهناك.
إذا كانت المسألة دي احتاجت لدعم زيادة، يكون عمل الناس المارسوا ممارسة حسية في أن كانوا خلف الأسوار، يكون زيادة شوية في أن ينقلوا لإخوانهم مشاهدهم الكانوا فيها في الداخل.
لكن منذ اللحظة دي، الجمهوريين خرجوا من المعتقلات التقليدية الوراء الحيطان، ليكونوا في المعتقل الكبير، اللِّي هو أنهم غرباء، وأنّها غُربتهم دي بتُرَدّ.. ويوم تُرَدّ غربتهم يكون نصرهم المبين.. وأنه الغربة بتُرَدّ في داخل الإنسان ذاته، بأن يكون ما يقوله يعمله.. أن يكون نظره للداخل نظر دقيق، ومحاسبته لنفسه محاسبة دقيقة.. أن يعايش نفسه، يعرف نفسه، ويلتزمها، ويفكر في نقائصها، ويتوجه بيها لـ الله ليُصلِحها لهُ.
الإنسان لمّاً يعرف نقائص نفسه، بيكون بيسأل الله بلسان الحال.. والله لمّاً يُسأل بلسان الحال، يستجيب حتى للكافر: ﴿أمَّن يُجيبُ المضطرَّ إذا دعاه ويكشفُ السُّوءَ﴾.. المضطر ده مش المؤمن أو المسلم.. أي مضطر.. ﴿قُلْ ما يعبَأُ بكم ربِّي لولا دعاؤُكم فقد كذَّبتم فسوف يكون لِزامًا﴾.. شوف جاب ليهم التكذيب، لكنه بيعبَأ بيهم، لولا دعاءهم بلسان الحال، ربنا ما بيعبَأ بيهم.. الدعوة بلسان المقال ما يعبَأ بيها ربنا، إلا إذا كانت مصحوبة بأنوار القلوب.. بعدين أنوار القلوب تمشي لقدام في الدعاء، لغاية ما تبقى لسان حال، يعني مضطر.. ﴿أمَّن يُجيبُ المضطرَّ إذا دعاه ويكشفُ السُّوءَ﴾ تجي مع ﴿قُلْ ما يعبَأُ بكم ربِّي لولا دعاؤُكم فقد كذَّبتم فسوف يكون لِزامًا﴾.
فالإنسان اللّي بينظر لداخله ويعرف عيوب نفسه.. دي الحاجة المهمة جدًا.. يعني الفكر، نحن بنقول.. الفكر مش هو في السماوات والأرض، الفكر في السماوات الداخلية والأرض الداخلية.. الفكر في عيوب النفس، ده هو البيجي بهُ الخير.. لأنه بيكون دعوة بلسان الحال.
أنا أفتكر أنه الجمهوريين يستشعروا الصورة دي: أنهم هم في معتقل، والمعتقل ده أسواره الغربة، وأنه يحاولوا أن يرفعوا الغربة، بأن يكونوا مقنعين للناس الحولهم، بلسان حالهم وبلسان مقالهم.
بنختتم جلستنا، ليسيروا الناس في البند التاني البواجه جلستنا.
---