مشكلة الإنسان مشكلة اغتراب.. الإنسان في غربة.. هو في الحقيقة مما وجد نفسه في البيئة الطبيعية البعيش فيها، وأنه البيئة كانت عنيفة معاه: رعودها وبروقها وصواقعها وجوعها وحيوانها و ظلامها وبردها.. كان عليه أن يوجد نوع من المصادقة، أو نوع من رد الغربة، بين أصدقاء يمكن أن يسكن لهم ويهدأ من خوفه وقلقه واضطرابه الشديد.. وأكثر ما صحب الإنسان وخوّفه، وزمنه طويل، ولغاية الآن يخوّفنا، الجوع.
الإنسان نشأ من الحيوان، ما في ذلك أدنى ريب.. والإنسان المعاصر أسفله حيوان وأعلاه إنسان.. الإنسان المعاصر كأنه إنسان راكب له دابة.. أسفله، ما تعمل فيه المعدة، حيوان.. وأعلاه، ما يعمل فيه القلب، إنسان.. وباستمرار الإنسان متصاعد من الحيوان ليشمله الإنسان.. كأنما الإنسان بيطلع من الأرض.. هو نبات فعلا بالصورة دي.. بعض الناس لغاية الآن نصفهم في الأرض.. وبعض الناس ماشيين ليخرجوا، لغاية ما يجي الوقت اللي بيكون الإنسان حر من الأرض ومن جاذبيتها، ودي محاولها هو بنوع من استراق السمع، لمّان ينطلق بالصواريخ للخارج.. هو قايل مشكلته هي دي، لكن هي مشكلته في الحقيقة أن يتحرر من الأرض - يتحرر من المكان ومن الزمان.
الإنسان وطنه الله.. والعبارة في: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) عرفنا فيها أنّه النفس، هي نفسه هو، تنزلت إلى نفس الإنسان الكامل، تنزلت إلى نفس زوجته، (ثُمَّ بَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً).. ونحن عندنا في الدين بيقولوا - حديث: (حب الوطن من الإيمان) لأنها جاية من هنا.. لأن الوطن الأصل هو الله.
بعدين الرُّجعى دائما: (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى)، (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ).. شيخ عبد الله هسه قال: يا ناس ارجعوا لي الله، يا ناس ارجعوا لي الله.. الرجّاعين لي الله مشكورين.
الرُّجعى في مرتبتها الأولانية هي رجوعنا بعقولنا لطاعة الله.. والأنبياء أرسلوا ليوقظوا عقولنا لتكون رجّاعة لي الله من المعصية للطاعة.. لكن الرجوع الحقيقي هو أن نرجع بكياننا كله.. أن نكون كلنّا لله، ولذلك جات العبارة: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ).. أول الراجعين لي الله بكليتي، طاعة بدون اعتراض عليه.
الاغتراب ده بيظهر في صور كثيرة للإنسان.. في مرحلة الحيوان، الغربة زي ما قلنا أساسها البيشعر به هو الجوع.. ونحن لغاية الآن حاجة المعدة تلح علينا أكثر من حاجة العقل.. والإنسان زي ما قلنا أعلاه إنسان وأسفله حيوان.. لكن إذا ما شبع الحيوان، لا نستطيع أن نجيء لقيمة الإنسان فينا.. ولذلك نبينا يقول: «كاد الفقر أن يكون كفرا».. الإنسان الجائع لا يستطيع أن يعبد الله، بل يسئ الظن بالله.. لغاية ما يبقى جوعه سبب كفره.. ولذلك ربنا أطعمنا بالنعم.. (رَبِّ الْعَالَمِينَ) يعني المربّينا بالنعم المادية، ليسيّرنا ليهو بالنعم الروحية.
والإنسان إذا شبعت معدته، جاع قلبه.. يتفرغ ليشعر بجوع القلب، وده الإنسان الأعلى.. لكن لا يمكن أن يشعر بجوع قلبه قبل أن تشبع معدته.. وده ما وقفوا فيه الشيوعيين.. افتكروا أنّه الإنسان بيعيش بمعدته، وده تاريخ طويل من الكرب والجوع، وكّد فينا المعنى ده، افتكرنا أنه إذا كان شبعت معدتنا ما في عوجة تانية.. لكن جو الرسل ليقولوا أنّه (لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الْإِنْسَانُ).. ده قاله المسيح.. (لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الْإِنْسَانُ، وَإِنَّمَا بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللَّهِ).. هو ما أنكر الخبز، لكن قال ما بيحيا بالخبز وحده.. بعد ما يشبع، يجوع قلبه لى الله.. للحنين للوطن، للحب - الحب الإلهي - اللي انعكس في صور كثيرة من محبة ما يلذّنا، وكراهية ما يؤذينا.
فالإنسان راجع لي الله، بيشعر بالرجوع ده والحاجة للرجوع في مستويات مختلفة، الناحية المادية فيها بتبرز أولا.. لكن ما من إنسان سوي يشبع، إلا يفكر في أشياء وراء الشبع.. بس الحيوان هو اللي بيقيف عند معدته.
ونحن لما نتكلم عن الاشتراكية، وعن الرخاء المادي وعن العدالة الاجتماعية، وعن السلام، كلها صور في الحقيقة لحلمنا الكبير بالرجوع لي الله.. والناس اللي ما بيعرفوا الله يقولوا الإنسان حاجته السلام، واللي بيعرفوا الله يقولوا الإنسان حاجته السلام.. السلام اسم من أسماء الله.. نحن حاجتنا فعلا السلام، اللّي هو الرجوع لي الله.. دي الحاجة الحقيقية.
بعدين الطرق كلها جات لتضع طريقنا إلى الله.. الطرق المادية لمّان مشينا بها وصلتنا فعلا، نحن بس ما بنعي منها ما تحدِّثنا به.. حتى الماديين، اللي بيفتكروا أنّه مشكلة الإنسان هي مشكلة الإنتاج، ومشكلة حل حاجاته المادية اللي بيعيش بها بدنه وجسده، إذا مشوا مع اتجاه العلم الصحيح الغربي، العلم التجريبي، العلم المادي.. العلم ده وصلّنا إلى أنه المادة ما فيه.. المادة طاقة.. وكأنّه البيئة المادية القبيلك بنصارعها، وقبيلك صارعها الإنسان الأول، هي في الحقيقة بيئة روحية، مش بيئة مادية بالصورة المعروفة في المادة، بمظاهرها المختلفة.. ده العلم التجريبي جابها.. لمان اتفتتت الذرة أصبحت طاقة.. الطاقة كنهها ما معروف.. قوانينها معروفة لكن هي في حقيقتها شنو؟ مجهولة.
الطاقة عند العارفين الصوفية أنها هي الإرادة الإلهية.. الوجود كله تجسيد للإرادة الإلهية.. المادة صورة جمدت من الإرادة الإلهية.. ونحن بإيجاد التناسق بيننا وبينها نرجع لي الله.. التناسق ده بدأ به الإنسان الأولاني وماشي في محاولة من الصراع، ومحاولة من التغلّب بشتى الوسائل، بالآلة يستعين بها، لغاية ما وصلنا للمجتمع الكوكبي اللي استطاع أن يتحرر إلى حد كبير من الجوع ومن المرض ومن المسافة، بالسفر السريع والمقدرة عليه، بالاستعانة بالآلة.
لكن في الآخر نجد أنه حتى العلم المادي برضه ورانا أننا لا نستطيع أن ننطلق من الأرض دي لأقرب نجم من النجوم.. لأنه أقرب نجم في الفضاء ده، يسير النور فيه أربع سنين وثلث ليصل للأرض.. أقرب نجم خارج النظام الشمسي، النور يأخذ فيه أربع سنين وثلث، النور.. والنور أسرع مادة إلى الآن، ولا يمكن للإنسان علميا أن يسير بسرعة النور، إلا إذا بقى شعاع نور، أو الفكر.. عندهم أنّه الفكر أسرع من النور.. أها الفكر ده هو طريق وصولنا إلى الله.
إذاً البيئة النحن بنحاول أن نتغلب عليها، لا نستطيع أن نتغلب عليها بوسائل المادة.. حتى للخروج من الأرض للفضاء لا نستطيع أن نعمل ده، وده برضه وصلّنا له العلم التجريبي.. لكن نستطيع أن نخرج عن الزمان والمكان بمعرفة الله، الخارج عن الزمان والمكان.. فبدى الصراع مع البيئة لنرجع من الغربة النحن فيها، لا بد فيها من الناحية الروحية، اللي هي في الحقيقة الجوهر للمظهر المادي.
تجي المسألة في التفكير الماركسي.. زي ما نحن قلنا أنّه التفكير الماركسي زي نبت من الأرض، وما استطاع أن يتصل بالسماء.. من الأرض المادة سابقة للعقل.. ما فيهو أدنى ريب الكلام ده.. نشأ الحيوان الأولاني الما عنده عقل.. وتدرج في المراحل ليكتسب الحواس واحدة بعد الأخرى، إلى أن اكتملت حواسه الخمسة.. ما نشأ الحي الأول بالحواس الخمسة، زي ما نحن نألفها الآن، وإنما نشأ بحاسة واحدة، حاستين، لغاية ما بلغن خمسة، لغاية ما برز العقل الحيواني في الحيوان العالي، لغاية ما طفر الإنسان بقفزة لمرتبة العقل، وأصبح بالصورة دي العقل انعكاسات للمادة.
لكن الوطن النحن جينا منه، هو برضه عند العارفين اسمه العقل السابق للمادة.. في عقل خارج عن المادة، وفي عقل داخل المادة، وهو صورة من تقلباتها.
الماركسيين وقفوا عند العقل اللي لاحق للمادة، ومسبوق بالمادة.. وجهلوا العقل المطوِِّر للمادة لتنتج العقل الحادث.. وده عند الصوفية يسمى العقل القديم والعقل الحادث.. العقل القديم الله، والعقل الحادث، ده عقولنا نحن.. وعقولنا نحن محاولة تقلّد العقل القديم.. جات العبارة في ديننا: «تخلّقوا بأخلاق الله إن ربي على صراط مستقيم».
فمشكلة الإنسان المعاصر، إذا قيل هي مشكلة السلام أو هي مشكلة الخبز أو هي مشكلة الرخاء أو أي صورة من الصور، دي أعراض المرض، مش هي المرض.. وكثير من الأمراض، الأطباء يجهلوا تشخيصها، ويدوها أدوية خطأ.. وعرض المرض غير المرض.. الألم مثلا ما هو المرض.. الألم اللي بيصيب الإنسان المريض ما هو المرض، وإنما هو عرض المرض.. إذا وجدت طبيب فاشل، يحاول يديك مسكن للألم، ويترك المرض، لأنه ما استطاع يشخّص المرض.. لكن الطبيب الأصيل يصل للقاعدة اللي منها نشأ المرض، ويستعين بالألم على التشخيص.. الألم مش المرض.
نحن هسه في مسكّناتنا المختلفة، لإشباع حاجاتنا المادية، بنسكّن الألم، وبنترك المرض.. المرض الحقيقي، وضع عبد الرحيم الريح إيده فيه، هو غربتنا.. اغترابنا عن الله.. ولا يمكن أن يهدأ لنا هادي، ولا تطمئن لنا نفس، إلا بالسكون إليه والسير له والالتصاق به.. وده ما سميت العبودية.. العبودية هي الالتصاق بالله، بحيث لا تعترض عليه، ولا تتّهمه، لا في سرك ولا في علنك.
أنا افتكر أنه دي المشكلة.. ويمكن للناس أن يتكلموا عن فروع كثيرة لها، لكن كلها هي مظاهر للمرض الأصلي.. اللي هي الغربة.. جوع قلوبنا للحقيقة الخرجنا منها.. ودي العبارة اللي جات بإيجاز بسيط في حديث نبينا: (حب الوطن من الإيمان).. والناس طبعا أخذوه للوطن السودان ومصر والسعودية.. دي بتعطي المظهر المادي للوطن الأصلي.. لكن (حب الوطن من الإيمان)، معناه بينبعث من حب الله.. وده الحب اللي بيجده الإنسان كله، قد يصرفه للرغيف، قد يصرفه للأولاد، قد يصرفه للأمهات والآباء، قد يصرفه للزوجات، لكنه ده كله زي ما يقول الصوفية استراق سمع.. الحقيقة الكبرى هي حبنا للحقيقة الأزلية الخرجنا منها، وهي وطننا الأصلي، ولا بد من العودة له، ونستعين عليه بالوسائل المختلفة.
---