وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

الطائفية والأدب

هل يمكن أن تصبح الفكرة الجمهورية طريقة أو طائفة - مدينة المهدية - ٢٧ أغسطس ١٩٧٢

الطائفية والأدب

ما ورد من النقاش وما سُجِّل هنا في الليلة دي والليالي اللي سبقت، بيدي مسح واسع للموضوع المطروح، اللي هو احتمال أن تكون الفكرة الجمهورية طريقة من الطرق، يلحقها من التحلل ما لحق الطرق، أو أن يكون الجمهوريون طائفيين.
الجمهوريون بيدعوا لفضّ الطرق، وبيدعوا لمحاربة الطائفية، وده في مألوف سير التاريخ البشري والمجتمع البشري، الإنسان الحاجة اللي بيدعو ضدها، في آخر الأمر بيتورط فيها.
يعني، كونه إنه نحن بندعو لفض الطرق، مش معناها ما بنصبح طريقة... وكونه إنه نحن بنهاجم الطائفية، مش معناها إنه ما بنصبح طائفة.
ده الموضوع اللي طُرح منذ أيام، ونوقش.. وأفتكر نوقش نقاش واعي جدًا، ما بيحتاج مني أنا لتلخيص.. لكن بنختم الندوة بكلمتين، في، يجوز، تلخيص الاتجاه الأساسي في الموضوع.
كوننا نحن بنصبح طريقة، ده شيء محتَّم.. بمعنى أنه نحن بندعو إلى طريق العودة إلى الله، اللي هو بنسميه "طريق محمد".. نحن داعيين للطريق النبوي.
المعنى ده، ما يجب أن نحاول التنصل عنه، بل الحقيقة هو عملنا.. والطريق النبوي نهج من الحياة، وفق قانون المعرفة بالله.. ممكن الإنسان يقول: وفق الحكمة اللي انتظمت الكون كله.
الكون الظاهر وراه حكمة إلهية كبيرة، النبي حاول يترسمّها.. لأنو نحن بنعرف الله بفعله، وفعله ظاهر وفعله باطن.. الفعل الظاهر هو الوجود المحسوس، والفعل الباطن هو الحكمة المنطوية وراء الوجود المحسوس.
والنهج النبوي، نحن حاولنا نوريهو أنه مش شريعة مستمدة من العقيدة، مش منهاج مستمد من العقيدة، منهاج مستمد من الحياة.
وفي آخر كتابنا "تعلموا كيف تصلون"، دعونا الناس ليصلوا، لأنو الصلاة ما مأخوذة من العقيدة الإسلامية، وإنما مأخوذة من تطور الحياة، في مراحلها اللي وصفناها، اللي هي: التطور العضوي الصرف.. ثم التطور العضوي الفكري: العضو يعمل في الفكر ويؤثر فيه، والفكر يعمل في العضو ويؤثر فيه.. ثم المرحلة المقبلة، التي لم تصلها البشرية إلى اليوم، وبنعتقد بيكون بيها تتويج الترقي، اللي هو: التطور الفكري، البتبعه العضو.. ما بكون في تعارض بين العضو والفكر، بتتم الوحدة بين العقل والجسد.. ويصبح التطور كأنما هو عقلي، يتبعه الجسد.. كل حاجة يكون العقل عايزها، الجسد يقدر عليها.. ودا وضعناه نحن في كتابنا.
المراحل التلاتة دي في مراحل التطور، هي ما انبنى عليها المنهاج النبوي، خاصة في الصلاة وفي الصيام.
فإذًا، المنهاج النبوي منهاج في الحياة.. غرضه توحيد البنية البشرية، القوى المشرجة في البنية البشرية: في العقل، وفي القلب، وفي الجسد.. التنافر الـ بيناتهن ينتهي إلى وحدة وتنغيم واتساق وانسجام، به تنطلق الحياة في اتجاه واحد، بدل التعارض اللي بيحصل ليها في اتجاهات مختلفة، زي ما هي حياتنا الناقصة اليوم.
الطريق دا، نحن دعاته.. الطريق بالهيئة دي، نحن دعاته.. ونحن بالصورة دي، دعوتنا راح تبقى طريق.. لكنه ما هو الطريق الـ بيلحقه الانتكاس والانحلال الـ لحق الطرق، لأنه منهاج في العلم، ما هو منهاج في العقيدة.
هو الحقيقة بيتخطى العقيدة للعلم.. ولذلك قلنا أنه هو منهاج وفق الحياة: الحياة الرشيدة، الحياة الحكيمة، الحياة الخيرة.. دا ما اختطه النبي، هو في الحقيقة دا القرآن.. القرآن مترجم ومعاش، دم ولحم.. والقرآن هو أخلاق الله.
والسنة هي أخلاق النبي، وهي تتلقى من أخلاق الله ما يمكن للبشرية أن تعيشه في اللحظة المعينة والمكان المعين.
ودا باستمرار بيتغير حسب الزمان وحسب المكان، ليرتقي المراقي، وليقرب من الله.
فجاءت الحكمة في الدعوة: "تخلقوا بأخلاق الله، إن ربي على صراط مستقيم"
أها الصراط المستقيم دا، هو الطريق اللي نحن دعاته.. ودا ما يلحقه التحلل إطلاقًا، في معنى ما هو فكر.

تجي للمسألة الثانية، اللي هو: تطبيق الفكر دا، تطبيق الطريق، السلوك وفق الطريق.. وده من المؤكد أنه محفوف بالمخاطر، اللي هي مفارقة التطبيق للفكرة.
والمرحلة الـ يبتدي منها الإنسان ليطبِّق، هي مرحلة بتمر بالعقيدة في الأول.. والإنسان صاحب العقيدة متغير ومتطور، ليبلغ مرتبة العلم.
وهو في مرتبة العقيدة، عليه وصاية، وحريته ناقصة، لأنه علمه ناقص.. والإذعان طرف من سلوكه.. بمعنى أنه نحن، مثلًا، إذا كنا مأمورين بأن نصلي أربع ركعات، ونحن علمنا قاصر في الحكمة وراء الأربع ركعات: ليه أربعة؟ ليه مش ثلاثة؟ فنحن هنا قاصرين، علينا الإذعان والتبعية.
في البداية، المرحلة كبيرة، مرحلة عقيدة..
ومرحلة العقيدة بتجي فيها مرحلة الأدب، وأنه الطريق دا كله بدون الأدب، ما يُجتنى منه أي خير.. زي ما قلنا: الصوفية سموا التصوف كله الأدب.. النبي أجمل النبوة كلها في الأدب، لمان قال: "أدبني ربي فأحسن تأديبي"، كأنما قال: أتاني ربي النبوة.
الأمر دا كله، من أوله لآخره، مراحله مراحل الأدب.. وكل ما يكون الإنسان علمه واسع، كل ما يكون الأدب علم، ويعطي حرية.. لغاية ما تجي تقول: الأدب هو حسن التصرف في الحرية الفردية المطلقة.. الأدب هو حسن التصرف في الحرية الفردية المطلقة.
الأخلاق! "إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق.".. الأخلاق نحن عرفناها في مواضع كثيرة من كتبنا، هي: حسن التصرف في الحرية الفردية المطلقة.. دي قمة الأخلاق.. حسن التصرف في الحرية الفردية، دا خلق، ودا أدب.
المسألة الـ بيكون فيها لبس، هي: مرحلة الأدب.. مرحلة الأدب بتشبه الطائفية.. حتى الاعتراض اللي قالته أسماء:
"من يعترض علينا لا يهتدي إلينا، إنا قد استغنينا عن أهل هذي الدار"،
دي موجودة.. في الفكرة الجمهورية هي موجودة، لكنها عندها مستوياتها.
وأنت لمان تعترض على حاجة، وأنت متأكد من خطئها.. تعترض على حاجة وأنت متأكد من خطئها، أنت ما معترض.. لكن لمان تفرض نفسك على الأشياء، وتعترض على حاجة لمجرد أنك ما فهمتها، لا يمكن أن تفهمها..
ده الاعتبار.
إذا كان إنت بترفض الأشياء لأنك ما فهمتها، أنت ما ممكن تفهمها.. الأدب اللائق هنا، أنك أنت تعطي فرصة للشك لمصلحة الفكرة الما فهمتها.. يعني تؤمن بها ريثما تفهمها.. بعدين، إن فهمتها، بتضح لك الخطأ من الصواب..
إن رفضتها بعد ما اتضح لك الخطأ من الصواب فيها، أنت ما معترض.
يبقى إذن، الإيمان دائمًا بيكون العنصر، اللي هو في الحقيقة ضروري في العلم، وضروري في الدين.. والإيمان مش معناه الغفلة.. معناه إنك أنت تعرف قدر نفسك، وتعرف أنك أنت ما بتعرف كل شيء، وأنك ماك حكم على الحق.. الحق أكبر منك.. لكنك تتهم نفسك، وتبحث، وتؤمن ريثما تعرف الحق من الباطل.
الاعتراض بالمعنى دا: لمان أنت تعرف الباطل وترفضه، أنت ما معترض.. لكن لمان تجعل نفسك حكم على الحقيقة، وكل شيء ما تفهمه، تنكره وترفضه،
ده الاعتراض اللي لا يمكن يجي منه خير.. وده الإنكار.
ودا عدم الخير، بيجي فيه من أنه الإنسان جهل قدر نفسه، أساء الأدب مع الحق الأكبر من عقله.. جعل نفسه هو الميزان، هو الوجود، ما في غيره.. من هنا دا ما بتجيه الزيادة.
تبقى مسألة الأدب، مسألة في الحقيقة في غاية الدقة.. ومن أجل دا، سُمِّي بها المعنى كله في المعرفة: الأدب.
والخطر بيجي فيها من أنه الإنسان، من انسياقه مع الأدب، يكون إمّعة، ويكون هارب من المسؤولية في التمييز، ويكون يجعل الأدب تبعية، مش علم.. وهنا، الطائفية بتيجي دائمًا.
وفي نهضة الفكرة الجمهورية، على أساسها، بالصورة دي، التطبيق القريب جدًا من النظرية، ما في خطر من الطائفية.. لكن الخطر من الطائفية موجود في الزمن.
وزي ما أشار عصام برضو، أنه كل مجهود بشري بيرتفع وبينخفض.. لكن في المجهود البشري الـ بيقوم على الفكر، والتركيز على الفكر، وكرامة الفكر، زي ما ورّى أوشيك دائمًا قوة الفكرة، وتوجيهها لكرامة الفكر، وتركيزها على تحقيق الفردية.. بالمعنى دا، التطبيق بيكون قريب من النظرية.
والرجوع من السمو والارتفاع، الـ بيصلوا الإنسان عن طريق الاقتناع، وعن طريق الفكر، بيكون بطيء.
فكأنه يمكن الإنسان يقول أنه الخط البياني بتاع الفكرة الجمهورية، النظرية والتطبيق، راح يمشوا مع بعض لمسافة طويلة.. الخط البياني بتاعها، راح يكون أفقي، يهبط قليل جدًا.. لكن راح يجيه وقت ينزل، تكون في مفارقة بين التطبيق وبين النظرية.
لكن، زي ما لاحظت بتول، يجي الوقت اللي يكون بقت، المفارق ما هو مسلم، خلينا نقول.. الفكرة الجمهورية هي الفهم الإسلامي الجديد.. يبقى الإسلام بُيّن، وظل في مستوى معين، الناس انحطّوا عنه.. يبقى الناس الـ بيفارقوا، ويبقوا طائفيين، بيبقوا ما هم مسلمين.. لكن بيرجعوا يكونوا مؤمنين..
بعدين يرجعوا حتى من مؤمنين، ليكونوا جهلة ومنكرين، يحكموا عقولهم في الوجود، وكل ما لا يعرفوه، يجعلوا من جهلهم فضيلة، زي ما أشار هسّع عصام، ويرفضوه.
الإنسان الجاهل يرفض كل ما لا يعلم.. من حيث لا يشعر هو بيقول أنه كل ما لا أفهمه أنا، كأنه ما في.. وده، دي عبارة "يجعل من الجهل فضيلة".. لغفلته، ولجهله، يعتد بجهله، ويضع الخطأ على الجانب الما بيعرفه هو، ويجعل نفسه حكم.
فصورة الطائفية راح تجي، مؤكد.. لكن في المدى البعيد جدًا.. والناس الـ بيكونوا طائفيين، بيكونوا فارق التطبيق فيهم النظر.. فارق تطبيق الفكر النظري.

هنا، في المرحلة، القيمة الكبيرة الـ نحن بنجنيها من الكلام دا، هو أنه يجب أن يكون في تجويد كبير.. وأنه أنت ما ممكن تطلع من مسألة التبعية إلا إذا فهمت.. وإلا بتكون أحسن حالاتك أن تكون تابع، إذا ما فاهم.. أحسن حالاتك إذا ما فاهم أن تكون تابع.
هنا، إذا كانت تبعيتك ريثما تفهم، أهو دا، دا الطريق الخير، ودا الأدب المطلوب، ودا الـ لا يمكن أن يكون غيره.
إذا كان الإنسان عجز عن أن يفهم، وكسل، ويئس عن أن يفهم، بيبقى تابع.. ودي أحسن من أن يكون معترض بدون فهم.. وكل الصور دي راح تجي.
الحاجة اللي نحن بنكون عاوزينها في الوقت الحاضر، أنه الناس، كل واحد منهم، يجتهد أن يطبّق بإتقان، ويجود، وألا يكون طائفي.
ما معنى ألا يكون طائفي، إنه يكون بيعارض رغبة في المعارضة.. بينفرد رغبة في الانفراد.. دا شر الأوضاع بتكون.. أن يكون طائفي، أفضل من أن يكون معترض بدون فهم.. وأحسن الحالات بطبيعة الحال، أن يبلغ حريته عن طريق الفهم والتجويد.
مسألة الأدب، أنا بفتكر إنها ما عندها نهاية إطلاقًا.. وما حدّ مننا يحاول أن يطلع من أنه طائفي بالاعتراض، وبالمفارقة، وبالمخالفة.
الطريق دا، الاعتراض فيه: "من يعترض علينا لا يهتدي إلينا" دي راح تظل قائمة دائمًا.
ثم هي خط دقيق جدًا، بين الإنسان الطائفي والإنسان الفاهم.
ومن الخطر جدًا، أن يظن إنسان أنه ليه أنا دائمًا أوافق؟ ليه أنا ما أعارض؟
فتجي تدخل فيه مسألة: أن يعارض من أجل المعارضة.. دا أحسن منه أن يكون طائفي.
الشاهد في المسألة: أنه الطريقة، أو الفكرة الجمهورية، أو الفهم الجديد للإسلام، اللي هو في الحقيقة النهج النبوي، ده في حد ذاته ما فيه أي سِمَة من سمات الطائفية.. نظيف، وواضح، ومبرأ.
لكن التطبيق في المدى البعيد، راح يفارق.. العمل يفارق النظر.. وتجي الطائفية.. ويجي أسوأ من صور الطائفية، وتجي الاعتراضات، بغير اعتراضات، ويجي التفكك، ويجي الإنكار، ويجي إعجاب كل ذي رأي برأيه.
ويحصل فيها، أنه زي ما أشار برضو عصام، أنه القرآن ذاته بيُرفع، والدين بيُفارق، والناس بيرجعوا ليكونوا حيوانات تتسافد، وتتسافح، وتتقاتل، لغاية ما تؤتي الحياة بالحياة، وينتهي الأمر كله.. لكن دا في المدى البعيد.. وده مرسوم، ومعروف، وما هو مجهول عندنا.
حتى يقولوا عنه أنه الحكم الألفي.. يعني ألف سنة، الحالة راح تكون في قمة، والخط البياني بتاعها يمشي.. وانتكاسه، ورجوعه، وانحطاطه، يسير وقليل.. لكن بعدين، كل مرة، الانحطاط يجمع قوة سرعة، ويستولي، لغاية ما ترجع الحياة كلها تنقرض.
الموضوع دا هو في الحقيقة ما بينتهي.
أنا بفتكر أنه برضو فيه جوانب كثيرة، الأشرطة دي راح تمر على الإخوان في الأقاليم، هم يفكروا فيها.. الجوانب الـ قيلت، جوانب متعددة وجيدة جدًا.
لكن يبدو لي، أنه نحن جينا لمرحلة نفصل فيها أكثر.. يمكن في كتاب من كتبنا في مسألة "أدب السالك في طريق محمد".
أنتو كلكم بتتذكروا، أنه نحن عندنا مشروع كتاب زي دا: "أدب السالك في طريق محمد".. لابد أن يُكتب، ليُعين الناس على أن يسلكوا في الخط الرقيق جدًا، بين الأدب والتبعية.. الأدب والتبعية، لابد أن يكون في تفصيل يميز بيناتهن، ليخلي الناس يجودوا، ويسيروا بصورة تعصم من الطائفية إلى مدى بعيد.. ليكون العمل ماشي على فهم، وعلى معرفة.
لأنه الحرية، زي ما بنقول دائمًا، هي البضاعة اللي لابد أن يُدفع ثمنها،
اللي هو: حسن التصرف فيها.. واللي ما بيحسن التصرف في الحرية، بتُصادَر حريته، وبيصبح تابع، ما عنده فرصة ليمارس حريته، لأنه عاجز عنها، وعاجز عن تحمُّل مسؤوليتها.
فدا، أنا أفتكر، يسوقنا لأن نبعث الكتاب دا من جديد: "أدب السالك في طريق محمد".. أهو الطريق معروف وموضّح.. يبقى كيف نضبط أنفسنا، ليكون التطبيق وفق النظرية، ويستمر لزمن طويل.
طيب، دي نهاية الموضوع دا، ونهاية الجلسة في نفس الوقت.