وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

الخليفة

ندوة الخليفة - مدينة المهدية - ١٩ يناير ١٩٧١

الخليفة

حاجة جميلة جدًا اللي جابها عصام، لمّان يكون في مقاس واحد دائمًا، دا أقرب للتوحيد.. لكن، صورة الخير والشر، زي اللي ربنا خلق لهن أواني، أقام الشر في إيناء، وأقام الخير في إيناء.. والشر طبعًا، الشر المطلق ما في أصله.
فتجي عبارة أنه، اللي دخل بها عبد الرحيم في تعديل تعريف الطيب، تعريف الطيب أنه الخليفة هو الذي ينفذ إرادة المخلّف.. عبد الرحيم يرى أنُّ الخليفة هو الذي ينفذ رضا المخلّف.. ده الخليفة الأصلي.
بعدين كأنما عنده نواب.. النواب ديل متجهين في تنفيذ الإرادة، أقل درجة يعني منه هو.. وقد ينفذوا الشرور وهم يجهلوا.. يفتكروا.. هو كل إنسان بيعمل الشر، ما بيعرفه أنه هو الشر.. أصله ما في إنسان يعرف أنه ده الشر ثم يعمله، لأنه في عنصر خيّر فينا.. العنصر الأصلي الخيّر فينا، ما بيتوجه للتنفيذ، إلا إذا إستطعت أن تقنعه أنت، بأنه العمل اللي بيعمله ده، فيه شيء من الصلاح، فيه شيء من الخير.. قد يكون أعوج عديل، لكن تمنطقه أنت.. كأنك بتحتال على التنفيذ، حتى يجي التنفيذ.
الجهل ياهو اللي يتجه في أنه الناس البينفذوا إرادة الله، هم برضهم خلفاء.. لأنه في مرحلة التعدد والثنائية، الوجود بيحتاج للوجهين.. الشر لابد من وجوده، جانب إلى جانب، مع الخير.. وصورة متكاملة للخلافة بتبدأ هي تستوعب الخير وتتوسع فيه، أو تتعلم قول من صراعها مع الشر.. ومن أجل كده، من أجل آدم، خلق إبليس، عشان آدم يتطور في المراقي، ويرتفع بعداوة العدو.
ولذلك إبليس رحمة.. جبريل رحمة، وإبليس رحمة.. لكن في وجهين بس للرحمة.. زي ما بنقول: رحمة الرحمن - الرحمة العامة - اللي الشقاء والشر والعذاب يدخل فيها كرحمة.. دي يدخل فيها إبليس.. ولذلك هي وسعت كل شيء.. ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ به من أشاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
بعدين تجي الرحمة المصفّية.. الرحمة الخالصة.. الرحمة اللطيفة.. تجي في الرحيم يكون جبريل، رحمة بي دي في المعنى الخاص.. وإبليس رحمة بالمعنى العام.
ولولا وجود الناقص في مرحلة المعارف، والتدرج، والارتفاعات، من الوحل، والطين، والجهل، والظلام، لولا وجود الناقص، ما وُجد الكامل.
زي ما أنه الشر وُجد عشان نحن ندرك الخير.. والشر وُجد ليعلمنا الخير، ويزودنا الخير، ويسوقنا إلى جانب الخير.. كذلك الشريرين.
وفي المرحلة اللي كانت فيها نشأة الدين، أبو جهل كان ضروري للإسلام.. أبو جهل كان بيعمل عمل، بينفذ الوجه الثاني من عمل الخليفة.. كأنه متولي الوساخات، يقوم بها هو.. ودي ضرورية.. ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾.. وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ..
إذاً الأواني البتحمل الرجس ضرورية، للأواني اللي راح تحمل الطهارة.. تطهّر دي بى ده، تزكية.. زي ما كل حاجة جميلة في موضعها.. الحاجة ليها تجعلها حكيمة.. وفي البيت، فيه مطبخ، وفيه أدب خانة.. ما يمكن الواحد يقول أنه الأدب خانة دي ما ضروري، لأنها وسخة ورجس.. هي ضرورية لتطهير المطبخ برضه.

فإذاً التعريف اللي دخل به عبد الرحيم في تعديل مسألة الطيب، هو تعريف صحيح.. الخليفة هو الذي ينفذ إرادة المخلف.. ولكن الوجه الثاني ممن يعينه ليستعد لتنفيذ رضا من يخلف.. اللي هو البتقتضي التعليم، والتطهير، والتنقية، واللطافة.. الوجه الثاني يجي، ويكون برضه مرتبة خلافة.
إذا كان مثلًا نحن ما بنمشي لي الله إلا بالروح والمادة.. إذًا الناس البيعملوا في تعمير الدنيا، ناس ضروريين لينا.. وما بتتعمر الدنيا، لولا أنه في غفلة.. اللي بيعمّرو الدنيا، ما هم معمّرينها لي الله، وإنما معمّرنها لشهواتهم، ولأهوائهم، ورغائبهم.
وقد يعملوا فيها العمل الما يرضي الله، ويكسبوا مكاسبهم، ويعمّروا دورهم، ويخصبوا حياتهم.. لكن دي ضرورية برضه، للناس الماشين لي الله، بصفاء الأرواح، وصفاء العقول.
فالدنيا ضرورية للآخرة، ولا تُعَمَّر إلا من الغافلين.. والغافلين إذًا بيأدوا طرف، في الحقيقة، في خدمة الخليفة اللي بينفذ رضا من يخلفه.
فالتعريف إذًا: الخليفة هو الذي ينفذ ما يرضي مخلّفه.. ده التعريف الصحيح.
وبالقياس بيننا نحن مثلًا.. إنت بتخلف إنسان، وأنت واثق بأنه بينفذ ما يرضيك.. كأنك، لو أنت موجود، بتعمل العمل العمله هو.. كأنك وأنت غايب، عندك نوع من الطمأنينة، أنك لو أنت حاضر، برضه العمل بيمشي على الجهة اللي أنت عايزه يمشي فيها.. ده بتسميه خليفتك.. إذا كان ولدك، أو أخوك، أو صديقك، أو موظف عندك كسب الثقة.. لكن إذا كان بيعمل غير ما يرضيك، ما بتضعه في الموضع ده.
قد يكون في القياس للمخلوقات، نحنا نقول: ما يرضيك، وما تريد، ما في فرق بيناتهم.. يعني في ولدك، ينفذ إرادتك.. أو ولدك، ينفذ رضاك.. ما في فرقة هنا.. لكن فيما يخص ربنا، في فرق بين الإرادة والرضا.. لأنه أنت لا تريد الشر، ولا ترضى الشر.. لكن ربنا يريد الشر، ولا يرضاه.
وتجي القياس دائمًا بيننا نحن، يكون عايز فصل.. لأنه ما بينطبق تمامًا.. زي صنعتنا، هو يصنع، ونحن نصنع.. ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾.. نحن خلقنا كخلقه.. في المعنى اللي بيهو أنه نعلم ونريد ونقدر.. وهو خلق بالعلم، والإرادة، والقدرة.
لكن المادة اللي نصنع منها صنعتنا، مصنوعة جاهزة لينا.. ما هكذا هو.. والتشبيه دائمًا يجي فيه فرقة.. هناك ربنا عشان كده يقول: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.. عشان الفرقة دي.. خليفتنا هو الذي ينفذ ما نريد.. ده التعريف الورد.. لكن خليفة الله هو الذي ينفذ ما يرضى الله، لأنه في فرقة بين رضاه وبين إرادته.
وبقدرما الخلافة العامة، بقى المعنى ده غير المعنى اللي يستعمل فيه عصام العمومية.. الخلافة العامة، هي الخلافة على الكوكب كله.. الحقيقة، الخليفة الأخير، هو الخليفة على الوجود كله.. دي سميت: الخلافة العامة، اللي بها المسيح خليفة، كما كان آدم خليفة.
لكن الأرض هنا، نحن لمّان نستعملها في أجزاء منها، بيكون في التعميم، فيه تخصيص.. لمان سيدنا يوسف قال ليهو: اجعلني خليفة علي خزائن الأرض .. ما بقصد الأرض إلا مصر.
ـ
(٣)
هنا تجي التعريفات اللي جابتها بتول.. يعني، لمّان كان نبينا خليفة.. خليفة في الناحية التنفيذية، والناحية المادية، على الأرض البلغها الإسلام.. في الوقت ده، في خلفاء آخرين في جوانبهم، البينفذوا ما يرضي الله، في المسيحية، والبينفذوا ما يرضي الله في اليهودية، في البقاع اللي هم فيها.. وماشين في إيمان بالغيب، وعمل بالخير.. ديل خلفاء في أرضهم.. وبعدين البينفذوا ما يريد الله، ولا يرضى الله، برضه ديل خلفاء في منطقتهم.
لكن في نقطة دقيقة، هي أنه الرضا زي روح الإرادة.. ولذلك، ما يريده الله في الزمان والمكان، هو ما يرضاه.. ودي برضه نقطة من دقائق التوحيد.. حكم الوقت، يجعل إرادة الله رضا، لغاية ما يتغير الوقت، يتحول الرضا من الإرادة، تبطل.. ما تنفذ.. كدى شوفوا النقطة دي داولوها.. أصله ما بينفذ هو في الحقيقة، إلا ما يريد الله ويرضى.. أول ما يتحول رضاه من إرادته، ما تنفذ..
بمعنى أنه مثلًا: الكفر، أو التعدد، دين من الأديان، كان مرضي ومراد.. بعدين لمّان يظهر ما هو أفضل منو، الرضا ينسحب من الإرادة.. الرضا ينسحب من الإرادة دي.. بعدين تبتدي تبطل.. فتجي الهزائم، ويجي الظلام ويكتنف الفكرة اللي قبيلك كانت مرادة ومرضية.
مثل ما نقول مثلًا: اليهودية، والنصرانية، والإسلام.. عندما كان الوقت هو وقت موسى.. الدين اللي جاء في التوراة على بدائيته، كان مراد ومرضي من الله.
بعدين لمّان الزمن مشى لقدام، وجات رسالة المسيح، اتحول الرضا من اليهودية إلى النصرانية، وأصبح في جانب تعطيل، بينسحب باستمرار على اليهودية، وأصبحت المرضية ومرادة، هي النصرانية.
الصورة دي ماشه، لغاية ما جات البعثة النبوية.. لمّان جاء نبينا، أصبح الرضا انسحب من النصرانية، وبقت إرادة، وأصبحت تتعطل، وأنوارها تقل.. لكن المسائل في فعل الله ما بتنعمل بي ليلة و(...)، الأمر بيمشي لقدام، لغاية ما يجي الوقت اللي ينسحب الرضا من كل عمل، ليجي يستقر في الإسلام، عند الدعوة الأخيرة.. في الوقت داك: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.. تكتمل صورتها.
فدي من دقائق ملازمة الرضا والإرادة.. فكأنه، ما نشوفه نحن في الوقت الحاضر، زي الوثنيات، زي عبادة الأصنام مثلًا، كان في مرحلة من المراحل، مراد ومرضي، وأصبح مستهجن عندنا هنا، بحكم الوقت.. لكن في وقته، الرضا والإرادة ملازمينّه.
فإذاً التعريف اللي جاء بـ (...)، في أنه الخليفة، خليفة الله، هو من ينفذ رضا الله.. ده تعريف صحيح.. وبعدين، الخلافة العمومية على الأرض، ما جات لغاية اليوم.. ودا الوقت اللي بيهو تملأ الأرض عدلا كما ملأت جورا.. ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾.. يوم يجي الوقت ده يكون: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ .. يبقى الخليفة العام ظهر.. لكن قبل ما يظهر، يبقى كل من يعمل عمل في الجانب ده، مما نعتبره نحن خير أو نعتبره شر، هو في اتجاه أن يجي الخليفة.
ـ