وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

الحقوق الأساسية في الدستور الدائم
مدينة الأبيض

١٩٦٩ (تقريبا)

الجزء الأول

رئيس الجلسة: نرجو من إخوانا المستمعين، الهدوء. ونقدم الأستاذ محمود محمد طه في محاضرته.

عجز السودانيين عن أن يضعوا دستور دائم
الأستاذ محمود محمد طه: بسم الله الرحمن الرحيم.
نبدأ محاضرتنا الرابعة في مدينة الأبيض، وهي بعنوان: "الحقوق الأساسية في دستور السودان الدائم، ما هي؟ وكيف تصان؟
موضوع الدستور هو أهم ما يواجه الناس في الوقت الحاضر.. وفي الحقيقة كان شغلنا الشاغل، شغل السودانيين الشاغل من زمن بعيد.. عجزنا عن أن نضع دستور دائم لبلدنا في مدى الحكم الوطني من سنة ٥٦.
قبل الحكم الوطني بطبيعة الحال ما كان في كلام عن الدستور، حتى لا يكاد الناس يسمعوا من سياسي أو محاضر الكلام عن الدستور؛ لأنه الدستور من لوازم الحكم الحر، الحكم المستقل.. في زمن الاستعمار ما في فرصة للكلام عن الدستور لأنه المرحلة البيننا وبين الدستور هي أن نستقل من الاستعمار.. ولذلك تلقى الحركة الوطنية تتكلم عن الاستقلال وعن خروج الاستعمار بأسلوب أو بآخر.
اتفاقية القاهرة المشهورة، الاتفاقية الموقعة بين دولتي الحكم الثنائي في ١٢ فبراير سنة ٥٣، قررت فترة مرحلية سُمّيت فترة الحكم الذاتي.. لأول مرة ورد الكلام عن الدستور في هذه الاتفاقية، وسميت اتفاقية القاهرة بين دولتي الحكم الثنائي.. والغرض منها التخطيط ليوصل السودان في مدى تلاتة سنين ليقرر مصيره، إما بنوع من الاتحاد مع مصر أو الاستقلال.. وسميت فترة الحكم الذاتي لأنه رأس الدولة فيها كان الحاكم العام.. رمز الاستعمار كان موجود في الفترة دي، لكن ورد الكلام فيها عن الجمعية التأسيسية اللي تضع الدستور وتتولى تقرير مصير البلد إما بنوع من الاتحاد - الارتباط بمصر، أو بالاستقلال.. وافتكر بتذكروا إنه في نهاية الفترة دي، اللي هي في ديسمبر سنة ٥٥، تقرر الاستقلال من داخل البرلمان بدون مسألة الاستفتاء.
من سنة ٥٦ وإلى اليوم، كانت عندنا تلاتة محاولات لنضع دستور.. سنة ٥٧ كانت محاولة في زمن حكومة عبد الله خليل، انتهت المحاولة بقيام حكم العساكر وتعطيل الدستور المؤقت.. بعد ثورة أكتوبر كانت عندنا محاولتين، المحاولة الأولانية اللي انتهت بحل الجمعية التأسيسية، بالصورة العامة القضية الدستورية اللي بيتكلموا عنها الحزبين المؤتلفين في الوقت الحاضر في مسألة الائتلاف والاختلاف، وأن تُسحب القضية أو لا تسحب، ودي مشهورة.. بعدين قامت الجمعية التأسيسية الحاضرة.
المحاولات دي كانت بتفشل لأننا نحن ما عارفين عايزين شنو.. الحركة الوطنية، وده مش راح نتكلم فيه يعني بتوسع، الحركة الوطنية عندما نشأت ما نشأت حول أفكار وبرامج وثورة لتبلور أفكار الشعب وتلفّه حول قضية.. ولذلك ما في مذهبية ولا فكرة.. حتى بعد ثورة أكتوبر، لمّا الشعب كان بيتجه إلى الأفكار والمذهبيات، رُفعت شعارات في الاشتراكية والديمقراطية من أحزاب طائفية لا تعني الاشتراكية ولا الديمقراطية.
وما في ناس يمكن أن يضعوا دستور إذا كانوا ما عارفين هم عايزين شنو.. الدستور ما ممكن يكون قوانين باردة تؤخذ من الكتب، يضعوه الفنيين.. الدستور هو في الحقيقة النبع البيخرج من الشعب في آماله وتطلعاته وأحلامه العايزها في المستقبل.. إذا كان الشعب عنده فكرة عن الموضوع ده، الدستور بيُوضع بسرعة.
وكوننا نحن عجزنا عن أن نضعه، ده بيعكس عدم نضجنا نحن في الفكر.. الدستور مُش حاجة ساهلة، يمكنك أن تقول هي، الدستور هو أمل الشعب وأحلامه، وفلسفته ومثله الأعلى، موضوع في صياغة قانونية.. الدستور في الحقيقة كأنه مرآة، كل واحد من الشعب يرى فيه نفسه، أملك وتطلعك للمستقبل ليك ولأجيالك المقبلة، ده هو الدستور.. صياغة قانونية للمبادئ الأساسية العايزها أنت تتحقق لشخصك ولمواطنيك وللأجيال المقبلة من أبناءك.

الدستور والحقوق الأساسية
والدستور سُمّي القانون الأساسي.. المادة البيلف حولها، عايز يحققها، هي الحقوق الأساسية.. الحقوق الأساسية سمّوها أساسية لأنها ما بتنفصل عن الإنسان.. الحقوق الأساسية هي حق الحياة وحق الحرية.. ده في الأساس، حق الحياة وحق الحرية، سميت حقوق أساسية لأنه ما في إنسان بيعطيك الحياة، ولا في إنسان في العدل والإنسانية بيسلب منك الحياة، ولا يسلب منك الحرية، ولا يمنّ عليك بالحرية.. دي حقوق أساسية أنت مولود بيها.
في العبارة اللي قالها عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص وهي مشهورة، عندما حصل خلاف بين ابن عمرو بن العاص وابن واحد من الأقباط، وابن عمرو بن العاص ضرب ابن القبطي، بعدين زي بعزة كده قال ليه: "خذها من ابن الأكرمين".. فاشتكاه القبطي لعمر بن الخطاب، عمر بن الخطاب وبّخ عمرو بن العاص وقال كلمته: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟".. العبارة دي شائعة.
بعدين في التفكير الفلسفي فيما بعد برضو برزت.. واحد من الفلاسفة الفرنسيين، جان جاك روسو، قال: "الناس ولدوا أحرار، ولكن حيث وجدوا، وجدوا في القيود".. وأنا افتكر أنها دي فيها تفريع أكتر.. الناس ولدوا أحرار، لكن الحرية وأنت ضعيف أو محتاج ما عندها قيمة.. نحن ولدنا أحرار لكن بنبيع حريتنا لأننا محتاجين.. يمكنك أن تقول عبر التاريخ البشري، المكتوب وغير المكتوب، الإنسانية ساعية للحكم الصالح البيخلي الإنسان المولود حر يعيش حر.. كل تاريخ البشرية في صوره المختلفة، حروبه وسلامه، اتجاهه ليصل للحكم الصالح.. الحكم الصالح خلاصة ما وصلت ليه البشرية فيه، الحكم الديمقراطي.
والحكم الديمقراطي مش صورة واحدة، ما صورة ثابتة.. مثلاً حق الحياة، كان في وقت من الأوقات بيسلب من الإنسان لأبسط شيء.. القوانين بتاعة الشعوب البدائية المتخلفة بتلقاها بتقتل الإنسان لأبسط خطيئة.. مثلاً زي نحن عندنا السرقة، البيسرق بتقطع إيده.. كان في تشريعات دينية البيسرق بيُقتل.. بعدين في نوع التخفيف والتطوير، رأوا بدل يقطعوا راسه مثلاً يقطعوا إيده، كأنه تخفيف في المسألة.. حق الحياة بيُحترم كل مرة وأنت ماشي لي قدام.. هسع أنت شفتوا البرلمانات البتناقش إبطال عقوبة الإعدام، يعني الإنسان يقتُل ما يقتلوه.. في اعتبارات عندهم، وفي بريطانيا المسألة دي هسة سُنّت، أنه البيقتل ما يقتلوه.. الاعتبار جاي من إنه بدل نحن نقتل اتنين، نفقد اتنين، القاتل ده محتاج لإصلاح يمكن أن ينصلح، وأنه ضمير الإنسانية بيتأذّى بالقتل.. قتل تقتله، عندهم، إن ده أذى شديد، فبقى تصلحه.. آ ده يوريكم إنه حق الحياة نفسه، حق بيكتسب الاحترام كل ما الإنسانية تمدّنت لي قدام.
حق الحرية رفيع جداً مش زي حق الحياة.. لغاية الآن حق الحرية بيسلب بسهولة.. الإنسانية في جهادها الكبير أحرزت لحق الحياة احترام، لكنها ما أحرزت لحق الحرية الاحترام الكافي، وهي ذاهبة وماشية في طريقها لتحرز لحق الحرية الاحترام الكافي.
أكبر صور احترام حق الحرية الحكم الديمقراطي.. أهو الديمقراطية تتعثر باستمرار.. يجوا الناس اللي يقولوا إنه بلدنا ده ما بتصلح له الديمقراطية، أحسن حاجة أنا يدّوني تفويض لأحكم، بالحزب الواحد مثلاً، أو يأخذ التفويض ده بانقلاب عسكري.. ويبرره أنه الديمقراطية دي فضفاضة، وأنها هي في الحقيقة ديمقراطية الناس البيستغلوا الضعاف، ويجب أن تكون ديكتاتورية ضدهم هم، وديمقراطية للضعاف - العمال والمزارعين.. هي في الحقيقة ديكتاتورية عليهم كلهم، هو الديكتاتور وحده، لكن عايز يبرر وضعه ده بأنه هو ديمقراطي، لكن بيمارس الديمقراطية لمصلحة الناس البيستحقوها، وبيستعملها ديكتاتورية ضد أعداء الديمقراطية.. ها دي الأوضاع السائدة هسع من صور التضليل.

صور التضليل من تقديس الملوك الى الديمقراطية الموجهة
المجتمعات البشرية في تاريخها الطويل مرت بصور التضليل بصور فظيعة منه، كتيرة. وأسوأها ما كان في عهد الملوك. والملوك كانوا محاربين أقوياء؛ لأنه البشرية خرجت من قانون الغابة، وقانون الغابة شريعته القوة. زي العبارة العربية اللي قالت: "من غلب سلب"، دي كانت القاعدة بتاعة قانون الغابة. إذا كان في واحد مثلاً نحن في مجتمع في الغابة، مجتمع بدائي، واحد من المجتمع الحاضر بيمسك سيفه ويطلب مبارزة أي واحد مننا ينازعه الأمر، ثم ما يبرز ليه إنسان لينازعه بيملي أموره علينا، بيصبح ملك. بيعتمد على قوة السلاح في أول الأمر، لكن لي قدام بيعرف أنه بيشيب وبيمرض وبيضْعف، بيلجأ لترسيخ سلطته الكانت مبنية على القوة في الأول بقوة الحيلة.
ولذلك جات صور الملوك اللي ضللوا الناس بالتقديس. امبارح نحن لمّاً اتكلمنا عن إن الناس ما يقولوا "الحاكمية لله"، ما من إنسان بينازع الحاكمية لله أصله، لكن لأنه تاريخ البشرية في التضليل بالتقديس طويل، يجب أن لا تدخل الشعب في تجربة تقديس تشله. التقديس ده كان الملوك يقولوا فيه: "نحن ظل الله في الأرض"، و"نحن بنحكمكم بحق الله المقدس". ومشوا ليدّعوا كل الادعاءات لغاية ما ادعوا الألوهية. كان قيصر بيُعبد، كان فرعون بيُعبد. قريب ده، إمبراطور اليابان بيسمى ابن الآلهة وبيركعوا ليه. أهو هيلا سيلاسي، هسع الموجود، بيُقدس تقديس يلحقه بالآلهة. أنتم بتتذكروا انقلاب منغستو. الانقلاب ده حصل وهيلا سيلاسي برة. أصله ما في رأس دولة يحصل انقلاب في بلده وهو يطير من برة ويجي يرك في البلد المنقلب. عملها هيلا سيلاسي، وبعدين الناس سجدوا. لمّاً ركّ في المطار ومشى الناس سجدوا، وانفرد منغستو وحده، أها لأنهم مشلولين بتقديسه. انهزمت الثورة وشُنق منغستو. لغاية الآن صور التقديس موجودة، لكن الشعوب بتتحرر منها وبتوعى باستمرار.
العروش سُلّت كلها. هسع نادر جداً أن تلقى ملك أو ملكة. الأرض دي كلها كانت ملانة بالملوك. حتى في الحرب الأخيرة في الأربعينات، كان هتلر كل يوم - كل سبعة يوم - يستلّ له عرش من عروش أوروبا. ما بقى هسع في أوروبا إلا بعض الملوكيات الملتصقة بالشعب والمتواضعة، إن كانت في الدنمارك ولا في السويد أو في النرويج أو في بريطانيا، ما عندها السلطة الزمان، وحاولت أن تتمشى مع الشعب. لكن المؤكد إنه الشعوب دائماً بتديها ضهرها وعايزة الحكم الجمهوري.
الحكم الجمهوري تطور من الخلاص من صورة التضليل بتاع الحكم الملوكي، لكن الحكم الجمهوري نفسه أو الحكم الديمقراطي في مرحلة الجمهورية اتورط في تضليل جديد، والأمم بتتفتح عيونها عليه. أكبر تضليل في الحكومات الديمقراطية مسألة الديمقراطية الموجهة، الديكتاتورية البتغلف نفسها بادعاءات ديمقراطية. أهو دي هي المرحلة النحن فيها من التضليل، لكن البشرية باستمرار بتكشفها وماشية في أن تتخلص لتصل للديمقراطية الأصيلة.

تعريف الديمقراطية والتجربة السودانية
الديمقراطية عُرِّفت بأنها حكم الشعب، لمصلحة الشعب، بواسطة الشعب.. ده تعريف في القمة، وبيُعزى لإبراهام لينكولن، الرئيس الأمريكي حوالي سنة ١٨٦٠ - ١٨٦٥، قُتل زي ما قُتل كندي، وكان بيناتهم شبه كبير.
أها ده قال: الديمقراطية هي حكم الشعب، لمصلحة الشعب، بواسطة الشعب.. والحقيقة دي سُميت الديمقراطية المباشرة، وهي أقرب لأن تكون مثل أعلى، تحقيقها في التطبيق العملي نادر، أو قول ما ممكن.. هي المثل الأعلى البنحاول نصل ليهو، هي القمة.
في قاعدة الهرم بتجي الديمقراطية شبه المباشرة.
في حاجة برضو يمكنك أن تقول الديمقراطية غير المباشرة، دي قلّ أن تسمى ديمقراطية.
نحن بنعرفها، نحن مثلاً السودانيين في ممارستنا الأولانية لمّاً كان النائب مثلاً يجي من الخرطوم، وتجي الإشارة تقول لناس أم كدادة مثلاً نائبكم فلان الفلاني.. بعدين ناس أم كدادة ينتخبوه وهم ما بيعرفوه، وهو ما يعرف عن مشاكلهم حاجة! يمش يقعد في الخرطوم الأربعة سنين ما يرجع ليهم، وقلّ أن يتكلم عن مشاكلهم.. حتى في الحقيقة لو جاءه وفد من أم كدادة ما يستقبله في بيته!
يتحول.... النائب يتحول، نحن ننتخبه حزب أمة، يتحول هو بـ ألفين أو ثلاثة آلاف جنيه حسب ما يكون، يبقى وطني اتحادي.. نحن نتندّر ونضحك عليه.. تتذكروا البرلمان الأولاني.. أهو دي ديمقراطية غير مباشرة، قلّ أن تسمى ديمقراطية، ما عندنا صلة بنائبنا، ما هو نائبنا في الحقيقة.
الصورة دي زالت بتطور الفهم والوعي.. في الانتخابات الأخيرة الناس قالوا: نحن ما تصدروا لينا نوّاب من الخرطوم، اختاروا لينا من أبنائنا لأنهم بيعرفوا مشاكلنا.
التكتلات الإقليمية بصورة خاصة أفادت في الناحية دي.. برضها ما بلغت المدى المطلوب؛ كونه يرشحوا ليك زول من ناسك إنت وبعدين تصوّت عليه، بدون ما يكون هو فعلاً رغبتك الحقيقية، برضو فيها شبه من الأمر الخطأ، لكنها تطورت من الوضع السيئ داك.