خاتمة
أما بعد، فإننا – نحن الجمهوريين – ماضون في سبيل استنقاذ المرأة، واستخلاص حقوقها، وتحقيق كرامتها وعزتها.. وهو العمل الذي وظفنا له أنفسنا منذ ما يقرب من ربع قرن. فالعمل في سبيل هذه الغاية لهو أكبر القربات الى الله.. كما هو ضرورة للتنمية - تنمية الإنسان - ودور المرأة في هذه التنمية هو الدور الأساسي.. وما نبتغيه اليوم هو أن نلفت مثقفاتنا الى واجبهن الأساسي في رفع عوامل الذل التي استذلت النساء في عهد كرامتهن، وفي الاهتمام بشئون المرأة السودانية البسيطة المستضعفة التي تهدر كرامتها، كل يوم، في محاكم الأحوال الشخصية.. ولا تعتقد مثقفاتنا أنهن بمنجاة من طائلة قانون الأحوال الشخصية ما دمن لا يتعرضن لما تتعرض له البسيطات من النساء من مشاكل الأسرة، فإن لهذا القانون من الإيحاءات ما يظل يشوّه نظرة الرجل الى مطلق إمرأة، مهما بلغت من التعليم والمكانة الإجتماعية. وقد عرض سفرنا هذا بعضا من المفارقات والتناقضات التي تعيش فيها المرأة المثقفة في ظل قانون الأحوال الشخصية، فهي المديرة والوزيرة والقاضية والنائبة ولكنها لا تزال ربع الرجل في الزواج في قانون الأحوال الشخصية الذي لا يعطي أدنى إعتبار لمبلغ المرأة من الرشد والمسئولية، لا لشىء الاّ لأنها إمرأة!
ولقد أخذنا نبّصر مثقفاتنا بحقوقهن في أصول القرآن حتى يتسلحن بسند من الدين في مناهضتهن لأعدائهن من رجال الدين.. ولكننا لا زلنا نراهن يرهبنهم.. بل ويطلبن حقوقهن عندهم! فمتى تثور مثقفاتنا الثورة التي لا تبقي من محاكم الأحوال الشخصية شيئا ولا تذر!! إن قانون الأحوال الشخصية غير ديني وغير دستوري.. ومع ذلك يتولى رئيس جهاز الأحوال الشخصية منصب نائب رئيس المحكمة العليا التي تحرس الدستور وتنظر في دستورية القوانين!! وقد يتاح لرجل الأحوال الشخصية هذا أن يتولى رئاسة المحكمة العليا نيابة عن رئيسها في حالة غيابه..
إن هذا لسخرية السخريات!!
أما آن للمرأة أن تستيقظ من نومها العميق، وتفتح عينيها على حقيقة وضعها في قانون الأحوال الشخصية؟!! أما آن لها أن تدفع شيئا من دَين أمهاتها وأخواتها من سواد نساء بلادنا اللائي بذلن في سبيل تعليمها الكثير من جهدهن وعرقهن وحرمانهن، وذلك بنصرتهن وهن، الأكثر منها استضغافا، يتعرضن لصنوف الإذلال على أيدي رجال جهلة يقبعون على رأس محاكم الأحوال الشخصية تحديا لروح العصر ولقيم الدين!!
إننا لا نطالب بأقل من تصفية محاكم الأحوال الشخصية، وإبعاد رجالها عن ولاية القضاء في شئون الأسرة. فإن هذا الجهاز برجاله ليمثل أكبر قلاع التخّلف في بلادنا. صفوا قضاة دوائر الأحوال الشخصية!! وليكن الإتجاه هو تعديل قانون الأحوال الشخصية على أساس الصور التقدمية من الشريعة السلفية المنفتحة على أصول القرآن.. على أن يتولى أمر تطبيقها رجال القضاء المدني بما أوتوا من سعة المعرفة بالقانون، وبالتفتح على الحياة المعاصرة، وبتحررهم من التأثر بالصور المتخّلفة من الفقه، مما يكسب الشريعة هيبة واحتراما وتوقيرا.. وذلك في مرحلة الانتقال ريثما تجئ الشريعة المطوّرة من أصول القرآن ويجىء التشريع الموّحد والقضاء الموّحد.
فهل نجد من المرأة المثقفة ومن المهتمين بأمر المرأة في بلادنا اهتماما بحيوية وأهمية ما ندعو اليه؟
إننا – كما قلنا – ماضون في أمرنا لا نلوي على شىء.. وها هي طلائع المرأة من الأخوات الجمهوريات تحمل الدعوة الى الدين في كل مكان.. وتحدث الثورة الثقافية في الشارع، في رجل الشارع، وتبرز فضائل الإسلام، وتبرز قيمة المرأة الإنسانية.. وهذه أكبر الدلالات على إننا تماما في فجر عزّة المرأة.
فلتلحق مثقفاتنا بركب زميلاتهن من الأخوات الجمهوريات.. فإن كرامتهن الحقيقية في الدين.. ولا يظنن أنه حكر على الرجال.. فإن الله سائلهن يوم القيامة عن كل واجب في الدين فرّطن فيه أو قصّرن عنه.. هذا، وإن حريتهن الداخلية، وصحتهن النفسية، وحقوقهن الدستورية، جميعا، ليست هناك الاّ في الدين.
فليعبدن.. وليحررّن عقولهن وقلوبهن بالعبادة.. وسيجدن سند قضيتهن في الدين، وسيكسبن ثقة واحترام الرجال بتدينهن وموعود الله لهن غير مكذوب ((ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض، ونجعلهم أئمة، ونجعلهم الوارثين)) صدق الله العظيم
الأخوان الجمهوريون
الأربعاء 31/12/1975
29 ذى الحجة 1395 هـ