إن الرجل الحر حرية فردية مطلقة هو ذلك الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط واحد هو أن يكون كل عمله خيرا، وبرا، واخلاصا، وسلاما، مع الناس..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)

menu search

قضايا كوستي

قضية العريضة


وبفضل توافد الاخوان على كوستي، فقد قويت شوكة الاخوان هناك، وانزعجت من ثم المعارضة أشد الانزعاج، فتحركت قلقة مضطربة وبأساليبها المعروفة، من غير أن تستفيد من تجاربها الماضية، فأعادت خطبها القديمة بالمساجد، وذهبت في تضليل المصلين على نفس النهج الذي سلكته في ماضيها من افتراء للكذب وتشويه للحقائق ودعوة للتحريض..
وكانت من أكبر انجازاتها في هذا الصدد كتابة عريضة، وجهت للسيد رئيس الجمهورية بصور لمحافظ المديرية وقضاتها.. واتجهت العريضة كعهد القائمين عليها الى الكذب وتشويه الحقائق، كما لجأت الى اثارة المواطنين حيث تليت عليهم العريضة بالمساجد المختلفة، وفي جو مشحون بالتهريج والاثارة مما اظهر على بعض السامعين من المواطنين صفات من الانفعال والتشنج والعنف، كانت غريبة على أخلاق الشعب السوداني الذي عرف طيلة وقته بالمروءة والصدق والشهامة...
ومن أكذب ما جاء في عريضتهم هذه قولهم في التعريض بنا والتشويه لأفكارنا ودعوتنا ((انهم يقومون بزيجات وعقودات تخالف ما أجمع عليه المسلمون، ونصت عليه قوانين البلاد ولوائحها.. وقد قاموا فعلا بزيجتين في هذا الشهر شوال بحي السكة حديد بكوستي، وهي من هذا النوع المخالف للقوانين واللوائح، ويسمون زواجهم زواج جمهوري))
ان مصيبة معارضة كوستي أنها تقوم على ((علماء)) كذبة وجهلة من فقهاء تقليديين ومن تجار، لا يعرفون عن الدين شيئا ويجهلون الشريعة، ثم هم مع ذلك يتصدرون مجالس الفقه والعلم وامامة الناس في المساجد، فيعتلون المنابر، ينشرون منها الجهل الذي تفوح منه كدورات نفوسهم وظلماتها، هم لا يعلمون ويؤذيهم أن يعلم الناس، ولكنهم بفضل الله قلوب مهزومة من مجموع شعبنا الكريم بكوستي، الذي إذا سمع الحق أحس به، فسكن قلبه وأطمأنت نفسه وأنبتت من كل زوج بهيج... هذه تجربتنا مع هذا الشعب الهمام، الذي ما استمع الينا الا وظهرت صولة الحق على وجهه وقلبه، من أجل هذا قلنا مرارا أن شعبنا لا تنقصه الاصالة وانما تنقصه المعلومات الوافية، وقد تضافرت شتي السبل لتحجبه عنها..
ومن هذه الظروف تشويه وادعاء المعارضة الجاهلة بكوستي أن ((زواجنا يخالف ما أجمع عليه المسلمون وما نصت عليه قوانين البلاد ولوائحها))
ووجه الحق أن قوانين الأحوال الشخصية في السودان قامت على أساس الشريعة الاسلامية وعلى وجه الخصوص على المذهب الحنفي.
وزواجنا الذي عقدناه بكوستي لاثنين من اخواننا على أختين من أخواتنا، قام على أساس الشريعة الاسلامية المطهرة لا وكس ولا شطط، حيث اشتمل على أركان الزواج الأربعة: (1) المهر، (2) الولي، (3) الشاهدين، (4) خلو المحل.. وكما قد مر علينا في موضع مشابه من هذا الكتاب...
ثم أن زواجنا اشتمل على تفويض في العصمة من الزوجين لزوجتيهما، واشترط دخول الحكمين في حالة احتياج الزوج أو الزوجة لاستعمال حقهما في الطلاق... والتفويض شريعة وقضاء، وكذلك دخول الحكمين، فقد جاء في كتاب الاحوال الشخصية لمعوض محمد مصطفي سرحان، المعمول به في المحاكم المصرية والسودانية صفحة 334 ما يلي:
((ثم أن التفويض عند الحنفية يصح قبل العقد، وعند اثباته وبعد تمامه، في أي زمن كان حال قيام الزوجية، وصورة التفويض قبل حصول العقد، ان يعلن التفويض على التزوج بها، كأن يقول ان تزوجتك فأمرك بيدك، تطلقين نفسك متي تشائين، فانه ان تزوجها ثبت التفويض غير المقيد بزمن، وكان لها الحق في تطليق نفسها متي أرادت))

والأصل في التفويض ما ورد في القرآن الكريم عن النبي صلى الله عليه وسلم في تفويضه لنسائه، وهو ما حكت الآية الكريمة ((يا أيها النبي قل لازواجك: ان كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن، وأسرحكن سراحا جميلا، وان كنتن تردن الله، ورسوله، والدار الآخرة، فإن الله اعد للمحسنات منكن أجرا عظيما))... وأما أمر الحكمين فقد جاء به أيضا القرآن الكريم قال تعالي ((وان خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، ان يريدا اصلاحا يوفق الله بينهما ان الله كان عليما خبيرا)) وعليه فإن التفويض شريعة، ثم أنه معمول به قضاء في السودان، حيث نصت عليه المادة الخامسة عشرة من المنشور الشرعي السوداني نمرة 17... هذا ما كان من أمر التفويض ودخول الحكمين... ثم ان عقدنا هذا قد نص أيضا على عدم التعدد، والا يقع الا تحت شرطين، وحتي بعد ذلك لا يتم الا إذا وافقت الزوجة عليه... وفي أصل الدين فضلت الزوجة الواحدة، على تعدد الزوجات حيث قال جل من قائل ((فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى، وثلاث، ورباع، فإن خفتم الا تعدلوا فواحدة..)) وقال جل من قائل ((ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم)) فهو بذلك قد رغب عن التعدد الذي سمحت به الشريعة مع اشتراط العدل.
وفي الشريعة جاء عند السادة الحنابلة أن المرأة يمكن أن تشترط على زوجها في العقد الا يعدد عليها، ويصح هذا الشرط ويصبح ملزما قضاء. فقد جاء في كتاب فقه المذاهب الأربعة المجلد الرابع صفحة 87 ما نصه ((الشروط في النكاح تنقسم الى ثلاثة أقسام أولها شروط صحيحة، وهي إذا اشترطت المرأة الا يتزوج عليها أو يخرجها من دارها الخ فهذه الشروط صحيحة ولازمة، ليس للزوج التخلص منها، فإن خالفها كان لها حق فسخ العقد متي شاءت)) وفي نفس الصفحة وردت موافقة المالكية على هذا الشرط وندبوا الوفاء به.. هذا هو زواجنا في اجماله فما بال هؤلاء القوم، يفترون على الله وعلى الناس الكذب؟؟
هؤلاء القوم، كما قلنا عنهم قبل قليل، لا يعرفون الدين، ولا يعرفون الشريعة، ولا يتأدبون بأدبهما، والا لأمسكوا خواطرهم عن الشر وألسنتهم عن الهجر، وأياديهم عن الفتك، ولكنهم قد تورطوا في كل أولئك حين شوهوا عملنا، وأشانوا سمعتنا، وعرّضوا بأعراضنا في المساجد، جهلا وزورا... ونحن يمكن أن نصبر، وأن نعفو عن كثير، ولكننا لا نستطيع أن نراعي في أعراضنا، ومن أجل ذلك تقدمت أنا كاتب هذه السطور نيابة عن الاخوان الجمهوريين بعريضة الى القاضي المقيم بكوستي ضد ثلاثة وثلاثين من قادة معارضة التجار والفقهاء بكوستي، وذلك بسبب توقيعهم على العريضة آنفة الذكر، وقد شملت التوقيعات بعض كبار رجال المدينة من التجار والعلماء والوعاظ وأئمة المساجد.. وكل هؤلاء يجهلون الشريعة على نحو ما قد رأينا قبل قليل، ثم هم علية القوم بكوستي، المتصدرون لأمر الدين فيها.. عجبا!! وتعتبر عريضتهم هذه مثلا من أمثلة تسلط معارضة كوستي الجاهلة، كما أنها تعتبر من ثمار ونتائج التحريض الذي أعدت وهيأت له الشئون الدينية مساجد كوستي ليمثل فيها سعد الدين محمد سالمين دور الهر الذي حكي بانتفاخه صولة الضرغام.
والعريضة الآن موضوع قضية كما سبقت الاشارة، نمسك عنها حتى تنعقد المحكمة في 13/5/75 للنظر فيها، وسنوافي الشعب بما يجري فيها.