الخاتمة
1- بداية النهاية
لا بد أن يكون القاريء الكريم، قد استجمع من رحلته معنا عبر هذا الكتاب، صورا عديدة من صور الحياة، أبرزت أمامه، وجسدت عنده عديدا من المواقف المتناقضة، فقد شهد الحق كأبلج ما يكون، كما شهد الباطل كأزهق ما يكون، ورأى الشجاعة كأنبل وأشجع ما تكون، كما رأى الجبن كأحقر وأذل ما يكون، وسمع صوت الحق كأقوى وأصدق ما يكون، كما سمع صوت الباطل كأخفت وأكذب ما يكون، وهكذا الى آخر ما يمكن أن تجري به العبارة فيما حواه هذا السفر العجيب من صراع المتناقضات، والذي أفضى بفضل الله، ثم بفضل ثبات وصدق الأخوان الجمهوريين، الى انتصار الحق انتصارا بينا ومشهودا، على نحو من وعد الله لنا، حيث قال جل من قائل،:
((ان تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم
)) فالحمد والشكر لله كما هو أهله.
ومن حق الشكر علينا جميعا أن نعرف الحق لنعرف أهله، وان نعرف الباطل لنعرف أهله، وقد أتاح لنا هذا الكتاب الذي بين أيدينا هذه الفرصة.. فمن أجل رعايتها واستخدامها فيما يفيدنا، ويؤمن مسيرتنا، عملنا على تركيز وتجسيد صور تلك المعاني في أخلادنا، حتى لا نضل ولا ننسى، وحتى لا تتكرر فينا التجارب الفاشلة، وغني عن القول أن نؤكد أننا، انما نهدف من وراء ذلك الى تعميق تلك المعاني، عند قراء هذا الكتاب، حتى يتمكنوا من المشاركة الفعلية، ويسهموا بنصيب وافر في دعم وتأييد الحق.. حتى ينتصر فيهم وبهم وبمن حولهم.. ثم أننا في سعينا هذا لم نقصد، كما لم نتجه الى اثارة العواطف الفجة او الى انحرافات الغرائز السفلى، مما قد ينمي في الناس مذام صفات الجهل والحقد والكراهية، وما اليها من عيوب التهور والعنف، وانما اتجه سبيلنا بفضل الله، ثم بفضل تربيتنا الدينية الى نشر المحبة بين الناس في غير تعمل ولا تكلف، شأننا في ذلك شأن من قال
((لئن توقد شمعة خير من أن تلعن الظلام
)) وها نحن بتوفيق الله، نحاول دائما وأبدا، اشعال تلك الشموع فينا وفيمن حولنا، حتى يستعد المكان، فتشرق الأرض بنور ربها، ويوضع القرآن موضع التنفيذ، فيرفع عن الناس حجاب الغفلة، فيروا البصيرة، فتنماز الصحاح من المراض.. قال تعالي
((لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد
))
2- أبعثوا الإسلام فقد مات فيكم؟!
هذا من شعارات الثورة الفكرية التي رفعها الجمهوريون، من أجل توكيد ضرورة البعث الإسلامي، حتى يعود الإسلام جذعا، يملأ العقول، والقلوب، كما كان العهد به أول الأمر.
ولعل القاريء، يجد ويلاحظ من الوهلة الأولى، لقراءة هذا الشعار أو سماعه، ان حركة التغيير جارية بين كلماته، كما يجري الدم بالحياة بين أعضاء الجسد الواحد، وبسبب من هذه الفضيلة، فقد شدنا نحن أصحابه اليه، وعمل فينا عملا ثوريا، حرك موات شعورنا وضخ الفكر في سراديب عقولنا، فنزلنا به الى قومنا، نفصل اجماله ونبين أهدافه ومراميه، حتى لا يؤخذوا به على حين غرة، فاستقبلوه بدوافع كريمة من حسن نيتهم، وطيب نفوسهم، فحرك فيهم من كوامن الدين، ما شحذ استعدادهم لمزيد من الفهم ومزيد العلم، ولكنه أثار في ذات الوقت حفائظ بعض السلفيين الملتزمين، بولاء أعمي، لطوائفهم، وأحزابهم، من الذين لا يعملون ويؤذيهم ويقلق مضاجعهم ان يعمل الآخرون، فعمدوا، وكما هو حالهم المشهود عنهم دائما، الى التشويش وسوء التخريج من هذا الشعار، فاستنكروا، كيف نقول بموت الإسلام، وهو على ما يرومون من المنعة والعافية!؟ ثم كيف نتحدث عن بعثه والمسلمون اليوم على خير حال!؟ مساجدهم منارة، وصلواتهم مقامة، ورمضان مكرم عندهم ومحتفل به دائما!! والحجيج يغدون ويروحون كل عام!؟
بمثل هذا المستوى من السذاجة والضحالة وضيق الأفق، وقفوا بالأمس في وجه هذه الدعوة، وكذلك يفعلون اليوم، في غير كفاءة أو اقتدار، الا من حسد دفين أو جهل موبق مسيطر! وما علموا أنهم في جهلهم هذا قد كانوا مستخدمين لنصرة الحق، الذي يعادونه، لأنه بضدها تتميز الأشياء، ومن هذا الباب، دخل في الماضي، عمالقة المكر والفتن، أبو جهل وأضرابه من الذين انتصر بهم الحق، رغم أنوفهم! ذلك ان الحق يعمل لنصرته أحبابه الذين يعلمونه وينتظرونه وأعداؤه الذين يجهلونه ولا يرجونه!!
وشاء الله أن يفضح مكرهم، فلم يستجب لاستفزازهم أحد، فحاولوا محاولة ثانية، لتضليل الشعب، جمعوا فيها شتات كيدهم وحيلهم، وذهبوا بها الى أبعد مما أتيح لهم في المرة السابقة، حيث أستهدفوا هذه المرة، عنوان محاضراتنا، يومئذ عن
((الإسلام برسالته الأولى لا يصلح لإنسانية القرن العشرين
)) فأرجفوا حوله الأراجيف، زاعمين أننا نقول أننا نقول أن
((الإسلام لا يصلح لإنسانية القرن العشرين
))... ومن البداهة بمكان، ان الفرق شاسع وكبير بين قولنا
((الإسلام برسالته الأولى لا يصلح لإنسانية القرن العشرين
)) وبين افترائهم عنا
((ان الإسلام لا يصلح لإنسانية القرن العشرين
)) ولو أردنا الى ما أرادوا، وزعموا عنا، لذهبنا اليه في غير التواء، وفي غير حذر أومواربة، شأننا في ذلك شأن أصحاب الحقائق من أحرار الفكر، الذين لا يتهيبون كائنا من كان، فيما يرون أنه الحق والصدق،.. ولكن مالنا نذهب بعيدا، فما لهؤلاء وأصحاب الحقائق! ومالهم وأحرار الفكر؟ وأين هم من شيم الشجاعة والصدق!؟ تلك معان، ربما قرأوا وسمعوا عنها، ولكنهم قطعا لا يعرفونها، حالهم في ذلك حال من قال في حقهم جل من قائل
((أفلا يتدبرون القرآن ام على قلوب أقفالها؟
)).. فسدروا في غيهم، يتعامون عن الفهم، ويتعامون عن الحق، بعد ان تبين لهم، فصعدوا مؤامرة جاهلة وغادرة، امتزجت بالغرض الواضح والدس الفاضح، المبيت للنيل منا، لا سيما بعد ان اشتركت في تأجيجها الأجهزة الرسمية العليا، من مجلس السيادة ووزارة التربية والتعليم والي قاضي القضاة ومحكمته العليا الشرعية، على نحو تداعي بهم وبمؤامراتهم، الى ما يسمي بمحكمة الردة، التي كانت، ولا تزال عنوانا صارخا للجهل بالدين والجهل بثقافة هذا العصر الذي نعيش فيه، مما أفاد شعبنا، ودله دلالات واضحات على مدى الخطورة التي يتعرض لها، وتتعرض لها مكاسبه، ومقدساته: الدستور وما يشمل من الحقوق الاساسية، حين يقع اللقاء بين
((رجال الدين
)) المصحوبين دائما بنفوسهم وأغراضهم الدنيا وبين رجال السياسة في الأحزاب التقليدية، الحريصين دائما وأبدا على كراسي الحكم، ولو كان الثمن هدم حريات الشعب وتقويض الدستور.. ولكن الله كان لهم بالمرصاد، فأتاهم من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب، فتفرقوا أيدي سبأ..
ثم لم تقف مجهودات
((رجال الدين
)) التخريبية عند ذلك الحد الذي قد وصفنا، وانما ظلوا يلاحقوننا في غير حياء، وبجهلهم المعروف وغرضهم المفضوح، حين عملوا في العام الماضي، الى اثارة الشغب على دعوتنا المفتوحة للحوار، تحت عنوان
((الدعوة الإسلامية الجديدة
)).. فسعوا بخبثهم المعهود الى ايهام الشعب وبخاصة البسطاء منه، الواقعين تحت مراكز نفوذهم بالمساجد، بأننا ندعو الى
((إسلام جديد
)) وليس الى
((دعوة جديدة
)) من الإسلام، فجعلوا بجهلهم وسوء طويتهم كلمة
((جديدة
)) صفة للإسلام وليست للدعوة، كما أردنا، وكما هو الفهم الواقع والبديهي الذي يتبادر الى أقل العقول فهما وذكاء، فيما تعطيه هذه العبارة اللغوية الواضحة! فما بالك بمن يدعون
((الدين
)) ويزعمون الغيرة عليه!؟
((كبرت كلمة تخرج من أفواههم ان يقولون الا كذبا
)) مساكين هؤلاء! الذين أهانوا الدين بانتمائهم اليه، فهانوا عند أنفسهم وعند الناس.
وأخيرا، فشلت مؤامرتهم هذه المرة عن بلوغ ما وصلوا اليه من التزييف أيام محنة محكمة الردة التي جعلها الله سبة عليهم وظلمة في وجوههم الى يوم الدين...
هذا هو مستوى
((رجال الدين
)) وهكذا كانوا عبر السنين، وفي كل العهود، وهو الذي سقناه عنهم في هذه العجالة، لا يمثل الا عينة فقط من أسلوب تفكيرهم، وتعاميهم عن الحق، وتشويشهم عليه في غير تهويل أو مبالغة..
وقد قادنا لاستطراد هذا الحديث عنهم عنوان هذا الباب من الخاتمة
((أبعثوا الإسلام فقد مات فيكم
)) حيث خشينا أن يذهبوا في استغلاله هذه المرة على نحو ما فعلوه مع
((الإسلام برسالته الأولى لا يصلح لإنسانية القرن العشرين
)) وما لحقه أيضا من الكيد الضعيف والتآمر الرخيص على عنوان
((الدعوة الإسلامية الجديدة
)) ... بهذا نرجو أن يكون فيما تقدم مدخلا وتوطئة للحديث في هذا الأمر الهام، حتى تتهيأ به الأذهان وتعتصم به عن التشويش...
وعليه يمكن ان نقرر ومنذ البدء، وبلا أدنى ريب، أن الإسلام قد مات في صدور الناس، وأنهم قد بعدوا عنه ونصلوا منه، وهذه الحقيقة المقررة، يشهدها ويعلمها كل عاقل، ثم لا ينكرها الا مكابر أعماه التعصب عن رؤيتها وتقريرها... هذا ولا نحتاج ان نذهب في تقريرها مذهب الاستدلال عليها بالنصوص في هذه الخاتمة، اذ سبق الحديث عنها في المقدمة بما لا يحتاج الى اعادته هنا... كما يكفي أن نشير في هذا المقام الى أن المفارقة قد بدات بحالة هبوط روحي مفاجيء نزل بساحة الاصحاب عليهم رضوان الله، بعيد انتقاله صلى الله عليه وسلم الى الرفيق الأعلى، حيث أنكروا قلوبهم، وذلك على نحو ما جاء في عبارة أحدهم حيث قال
((ما كدنا ننفض أيدينا عن تراب قبر رسول الله حتى أنكرنا قلوبنا
))
ثم صار من يومها خط البيان الإسلامي في اتجاه النزول، ولكنه لم يكن واضحا الا قليلا، فاستعلن بحرب الردة التي أرخت تحولا وبداية لشرخ واضح عند ذوي العيان.. والذي كان يمكن أن يذهب بالإسلام، حتى لا يبقي له وجود منذ ذلك الوقت، لولا أن سيدنا أبو بكر رضي الله عنه بالذات كان خليفة للمسلمين! وفي هذا ينطوي سر عظيم من أسرار الفضل الالهي المتعلق بكمال نبوته صلى الله عليه وسلم، والذي نكتفي عن استطراده بهذه الاشارة الموجزة.. ثم بعد ذلك سار الزمان سيرته، فأثمرت المفارقة المتنامية، الفتنة الكبرى، التي كانت عنوانا لبداية انتصار الدنيا على الدين، والتي تداعى بها الأمر بعد مقتل سيدنا عثمان وخلافة سيدنا علي رضي الله عنهما الى فتن متلاحقة، ذهب سيدنا علي في محاولة حسمها لمصلحة الدين، حتى يعود الحال الى ما كان عليه الأمر أيام النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين المهديين من بعده، ولكن لم يتم له ما أراد، حيث انتصرت الدنيا على الدين، وآل الأمر الى الملك العضوض كما أخبر بذلك النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم حين قال
((الخلافة من بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا عضوضا
)) أو كما قال.
ومنذ ذلك الوقت، فقد تداعى حب الدنيا بالمسلمين شيئا فشيئا، حتى بلغوا ما هم عليه اليوم من الدونية والتأخر المنكر، حيث أصبح كل همهم للدنيا، شأنهم في ذلك شأن غيرهم من أهل الملل الأخرى، الذين سبقوهم على درب الحيرة والضياع، حتى أطبق عليهم جميعا ظلام الجاهلية الثانية، والذي هم عنه ليسوا بمخرجين الا إذا انبعث بينهم الإسلام من جديد، فتيا يضيء ظلام النفوس، ويصقل رين القلوب، ويصحح من موازين القيم. ولكن ذلك أمر عزيز المنال، لا يُطلب بالتمني، وانما يُطلب ويُتوخى بحسن الاستعداد وحسن التأتي...
ومن حسن التأتي وحسن الاستعداد أن نعلم أن فاقد الشيء لا يعطيه، فنكون بهذا العلم أذكياء قادرين على التمييز بين الذين يعلمون ويعملون، وبين الذين يملأون الدنيا هوسا وضجيجا وهم لا يعلمون... ذلك أن الإسلام سلاح ذو حدين، فهو قوة خلاقة إذا ما انبعثت من العقول الحرة والقلوب الكبيرة، كما هو قوة مدمرة إذا ما أنبعث من العقول الضيقة والقلوب المظلمة، وفي هذا المعني يحدثنا الأستاذ محمود محمد طه حديثا رصينا، نرجو أن تعيه العقول وأن تتدبره القلوب، وذلك حيث يقول:
((دعاة الفكرة الإسلامية في هذا البلد كثيرون، ولكنهم غير جادين، فهم لا يعكفون على الدرس والفكر، وانما ينصرفون الى الجماهير، يلهبون حماسهم ويستغلون عواطفهم، ويجمعونهم حولهم بغية السير بهم الى تحقيق ما يظنونه جهلا دستورا إسلاميا، وهم انما ينصرفون عن الدرس والفكر، ظنا منهم أن الفكرة الإسلامية موجودة ومبوبة ومفصلة، لا تحتاج الى عمل مستأنف ولا الى رأي جديد.. فلست أريد أن أشق على أحد من دعاة الفكرة الإسلامية، فإن أكثرهم أصدقائي، ولكن لا بد ان أقرر أن في عملهم خطرا عظيما على الإسلام وعلى سلامة هذا البلد... ثم يجب ان نعرف جيدا أن الإسلام بقدر ما هو قوة خلاقة إذا ما أنبعث من معينه الصافي، واتصل بالعقول الحرة، وأشعل فيها ثورته وانطلاقه، بقدر ما هو قوة هدامة إذا ما أنبعث من كدورة النفوس الغثة، واتصل بالعقول الجاهلة، وأثار فيها سخائم التعصب والهوس، فإذا قدر لدعاة الفكرة الإسلامية الذين أعرفهم جيدا، ان يطبقوا الدستور الإسلامي، الذي يعرفونه هم ويظنونه إسلاميا، لرجعوا بهذه البلاد خطوات عديدات الى الوراء، ولأفقدوها حتى هذا التقدم البسيط الذي حصلت عليه في عهود الاستعمار، ولبدا الإسلام على أيديهم وكأنه عقوبات على نحو ما هو مطبق الآن في بعض البلاد الإسلامية، ولكانوا بذلك نكبة على هذه البلاد وعلى الدعوة الإسلامية أيضا..
))
وعليه فقد توجب علينا أن نتبين مواضع اقدامنا، والا ننساق خلف كل ناعق من ذوي الأهواء المريضة الذين يهرفون بما لا يعرفون... ثم أننا نعيش اليوم في مجتمع جديد كل الجدة، اختلفت مشاكله وآماله عن مشاكل وآمال المجتمعات البدائية الماضية، مما جعله بحق، أحق العهود، باعادة النظر في المسألة الدينية.. ذلك أن الدين لم يواجه بتحد عبر تاريخه الطويل، كالذي نرى اليوم، حيث أصبحت بيئتنا الكوكبية جديدة من كل الوجوه، ومستعدة للتغيير الإنساني الشامل على نحو لم يسبق لها به عهد.. مما أكد وقرر حقيقة هامة، وهي أنه لا يحق لكائن من كان أن يتصدر قبيلا من الناس تحت راية الدعوة بعودة الإسلام، الا إذا كان على علم تام بطبيعة هذا المجتمع الكوكبي الجديد، وعلى معرفة تامة بأبعاد طاقاته الفعلية والمادية، وعن مدي كفاءتها في مواجهة حاجات إنسانية القرن العشرين المتجددة.. ويحضرني في هذه المناسبة حديث جرى من الأستاذ محمود محمد طه بنادي أمدرمان الثقافي سنة 1953م حين كان يحاضر المواطنين عن اشتراكية القرآن، فاذا هو يصور ويشخص سمات إنسانية اليوم، ويحدد حاجاتها، ويكشف عن طاقاتها الهائلة المتجددة بكلمات هزت المشاعر وخلبت الألباب، وذلك حيث يقول: -
((اننا نعيش اليوم في عهد محموم، عهد قلق واضطراب وحيرة، ولكننا نجد العزاء كل العزاء، حين نعلم ان هذا العهد المستوفز القلق فجر صادق لحياة جديدة، حياة تحقق الإنسانية فيها الحب والسلام وتستبدل بقانون الغابة، قانون العدل والمرحمة... ان إنسانية اليوم تودع عهد الطفولة الغرير، وتتهيأ لاستقبال عهد الرجولة الرشيد، حيث ينتصر الرجل والمرأة على الخرافات والأباطيل، وحيث لا يتردد أحدهما في تحمل تبعات فكره المتحرر أمام الله والناس، وما هذا القلق وهذا الاضطراب وهذه الحيرة الا أعراض طبيعية تلازم طور الانتقال، ولن يكون الانتقال سليما الا إذا اهتدي بهدي مستبصر، ولذلك فإن هذا العهد في عمر الإنسانية، أحق العهود واحوجها الى إعادة النظر في المسألة الدينية... ولما كنت شديد الثقة بأن الإسلام هو أمل الإنسانية الوحيد للفوز بالسلام والعدل، فقد وظفت نفسي للدعوة اليه مع زملائي الجمهوريين.. أنا شديد الايمان بالإنسانية، قوي الثقة بأن عهدا ذهبيا من الرخاء والحب ينتظرها في غدها القريب.
عالم الغد وما أدراك ما عالم الغد!؟ عالم واحد، تحكمه حكومة واحدة يسوده قانون واحد، تسكنه إنسانية واحدة، تقوم علائقها على العدل والرحمة، ويسعها السلام والحب، ويحركها للعمل حب الخير والجمال، فتعمر الخراب وتخصب اليباب وتعيد الفردوس المفقود من الأرض، وتفجر ينابيع الحب والجمال في قلب كل رجل وكل امرأة.))
هذه الأماني الزاخرة بالحب والحياة، ليست حلما من أحلام اليقظة، أو أنشودة من يوتبيات المدائن الفاضلة، وانما هي حقائق يقينية، أطلع عليها الجمهوريون فيما اطلعوا على أسرار القرآن، فباحوا وبشروا وصدعوا
((برسالة الإسلام الثانية
)) التي هي البديل الوحيد لأماني رجل الشارع، أو قل لأماني الرجل العادي – المغمور بهمومه – من جيل الحياة المعاصر، الذي أخذ يبحث عن حياته وعن حريته وعن نفسه بعد أن كان مذهولا عن كل أولئك... ونحن في هذا المقام الذي طال فيه الحديث عن هذه الخاتمة، لا نملك أسباب التفصيل في أمر الرسالة الثانية، ولكننا سنجتزيء منها ما يناسب المقام، بعد أن نترك للقاريء حرية التماسها في مصادرها من كتبنا...
ومجمل القول عن الرسالة الثانية، أنها سنة النبي صلى الله عليه وسلم، التي قامت على أصول القرآن في حين قامت شريعته للأمة على فروعه، وأصول القرآن قد جاء بها القرآن المكي، كما جاء القرآن المدني بفروعه... ومعلوم عندنا ان قرآن الفروع المدني، قد نسخ قرآن الأصول المكي، وذلك بسبب من حكم الوقت، الذي تمثل في مستوى المخاطبين الذين أنزل عليهم القرآن المكي، فعجزوا عن التزامه، فأعذروا بنسخ أحكامه بعد الهجرة الى المدينة، حيث أحكم قرآن الفروع الذي كان مناسبا من كل الوجوه لوقتهم، ثم هو في مستوى حاجتهم وطاقتهم..... وأحكام هذا القرآن المدني، هي الشريعة الإسلامية التي يتحدث عنها الناس اليوم، والتي تعيش آخر أيامها بفضل الله ثم بفضل ظهور دعوة الرسالة الثانية...
ومن أمثلة القرآن المكي المنسوخ قوله تعالي:
((يا أيها الذين آمنوا، أتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وأنتم مسلمون
)) فقال الأصحاب رضوان الله عليهم:
((أينا يستطيع أن يتقي الله حق تقاته يا رسول الله
)).. فبمحض الفضل الالهي، قد نسخ عنهم لما هو دونه، وأحكم في حقهم
((فاتقوا الله ما استطعتم، وأسمعوا وأطيعوا، وأنفقوا خيرا لأنفسكم، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون
)) وواضح من سياق القرآن، انهم عوضوا عن تقوى الله حق تقاته، بالسمع والطاعة للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم.. وذلك مستوى رفيع ولا ريب، ولكنه من غير شك أيضا، دون ما طلب إليهم بالاصالة.. والذي ظل من بعد نسخه في حقهم، محكما في حق النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم... وعلى هذين المستويين: مستوى النبي ومستوى الأمة، أثبتت تشاريع الإسلام، في مستوى الرسالة الأولى – التي أحكمت في المدينة وظل عليها العمل الى يوم الناس هذا – وفي مستوى الرسالة الثانية التي ستحكم بعون الله وتوفيقه في الأيام القليلة القادمة، والتي بها يتم العمل في تطوير تشاريع الرسالة الأولى من مستوى حاجة وطاقة أمة القرن السابع المحدودة الى مستوى حاجة وطاقة امة القرن العشرين العظيمة الهائلة.. والفرق بين الإسلامين وبين شريعتيهما فرق مقدار.. مثال ذلك أن صورة العبادة القائمة في الرسالة الأولى، هي صورة العبادة في الرسالة الثانية، ولكن الفرق بين الحالتين أن الإنسان الرشيد في شرع الرسالة الثانية لا يحمل على العبادة بالاكراه، كما كان الحال في شرع الرسالة الأولى، حيث قامت الوصاية للرشيد على القصر...
بهذا القدر المتواضع، الذي لا يغني عن التماس
((الرسالة الثانية
)) في مصادرها، نصل الى نهاية هذا الفصل من الخاتمة.
3- نداء الى المثقفين؟!
نوجه هذا النداء بصفة عامة، الى كل مثقف بسوداننا الحبيب، يؤمن بكرامة الفكر، وحقوق الإنسان، كما نوجهه بصفة خاصة الى المثقفين بمدينة كوستي، الذين عايشوا كل تلك الأحداث، وشهدوا كل ذلك العبث، الذي تحدث عنه هذا الكتاب... وليعذرني هؤلاء ان قلت لهم، انهم كانوا وكأن لم يكن لهم وجود، فقد عاشوا في عزلة تامة عن الأحداث المؤسفة التي جرت بالمدينة في تلك الأيام، والتي أظهرت من سوء الخلق وسوء الأدب ما حط وأساء الى سمعة وقيمة الإنسان السوداني، الذي نعزه ونفديه... ان أمانة الثقافة، تفرض علينا أن نسدي النصح لاخواننا المثقفين بكوستي، حتى يتداركوا موقفهم ويؤكدوا استنكارهم لتلك المخازي المفتعلة التي ألبست لبوس الدين وتباكت عليه بدموع التماسيح.... ان معارضة كوستي الجاهلة، كادت أن تحيق بالمدينة فتنة عمياء، لولا أن الله سلم، فتدارك دينه وجنده، وهزم كيد الخائنين وحده.. ونحن في هذا النداء لا يهمنا أن نسوق كلمات العتاب أو نوجه عبارات النصح، بقدر ما يهمنا أن نحرك المثقفين ليملأوا مكانهم الذي ظل شاغرا عنهم وقتا طويلا، وليبادروا الى مسئوليتهم في قيادة وتوجيه جماهير شعبنا البطل، الذي قلنا عنه في مواضع مختلفة من هذا الكتاب
((أنه لا تنقصه الأصالة وانما تنقصه المعلومات الوافية وقد تضافرت شتي الظروف لتحجبه عنها
))..
ان أوجب واجبات المثقفين أن يواجهوا الشعب بالحقائق، وان يحولوا بينه وبين قطاع طرق الخير، من أدعياء الدين وأدعياء السياسة، الذين مردوا على استغلاله وتضليله باسم الدين والدين منهم براء.