إن الرجل الحر حرية فردية مطلقة هو ذلك الرجل الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، على شرط واحد هو أن يكون كل عمله خيرا، وبرا، واخلاصا، وسلاما، مع الناس..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)

menu search

هذا.. أو الطوفان

ومن الذي يقيم الحدود؟


ان الحدود كما قلنا تقوم في المجتمع المربّى ويطبقها أكثر الناس تربية واستقامة واحساسا بمشاكل الناس، ولذلك كان النبي الكريم يقول: (نحن آل محمد أول من يجوع وآخر من يشبع) وكان الإمام عمر قد طبق على نفسه التقشّف ليكون في مستوى عامة الناس في عام الرمادة.. فأين من ذلك نميري وزبانيته؟ والغريب انه في الوقت الذي تقطع فيه أيدي البسطاء المعدمين فإن هناك لجنة كوّنت برئاسة دكتور الترابي للنظر في مرتبات حتى كبار الموظفين باعتبار أن دخولهم غير كافية لمعيشتهم ولا بد من زيادتها!!

نميري يطوّع الناس لنظامه بالسوط وهيهات!!


ان نميري وثالوثه المشرّع، قد ساروا بالحدود عكس روحها وغايتها وهدفها فاتجهوا للتضييق وتوسيع دائرة التجريم والإدانة بأوسع مدى وشوّهوا الإسلام وأظهروا مساهمته في الحياة الحديثة وكأنه مؤسسة عقاب وردع وارهاب، ففي التعزير بالغوا في عقوبة الجلد ووضعوها في أكثر العقوبات وأصبح الجلد حين يذكر بدون تحديد يمتد الى مائة جلدة، المادة (64/8) والسجن يمتد الى مدى ما يراه القاضي، المادة (64/3) كان هذا منهم مع أن الحديث المتفق عليه يقول: (لا يضرب فوق عشرة أسواط الاّ في حد من حدود الله تعالى) والحدود أيضا نزعوا بها إلى التجريم والإدانة فللسرقة الحدية في الشريعة تعريف محدد يحوي شرائط وأركان إن لم تكتمل لا تكون السرقة حدّية ولكن (الثالوث) المشرّع عرّف السرقة تعريفا وضعيا أسقط به شرطي (الخفية) و(الحرز) مخالفين بذلك الأحاديث وجمهور الفقهاء ومع ذلك طبقوا عقوبة الحد الشرعي. وفي النصاب فهناك اختلاف في الروايات بين ثلاثة دراهم وعشرة دراهم ومجرّد هذا الخلاف يعتبر شبهة تدرأ الحد ولكنهم أخذوا بالثلاثة المختلف عليها وتركوا العشرة التي يقول بها ابن عباس وابن عمر ويحكى هذا عن علي وابن مسعود (ابن كثير جـ 2 ص 569) كما انهم جمعوا بين الحد والغرم – المادة (458) وقد أخرج النسائي حديث (لا يغرّم السارق إذا اقيم عليه الحد) كما انهم جمعوا بين حد الخمر والسجن (المادة 444)
اما الزنا فقد (نقل في اشتراط العلم بحرمة الزنا، اجماع الفقهاء) (ان من شرائطه العلم بالتحريم حتى لو لم يعلم بالحرمة لم يجب الحد بالشبهة وأصله ما روي سعيد بن المسيّب أن رجلا زنا باليمن فكتب في ذلك عمر رضي الله عنه ان كان يعلم ان الله حرّم الزنا فاجلدوه، وان كان لا يعلم فعلمّوه فان عاد فاجلدوه)، حاشية ابن عابدين. فأي توعية قام بها الإمام المزعوم وزبانيته على السودان ببيئاته المختلفة قبل أن يشهروا سيفهم وسوطهم؟ كما انه معلوم أن الشريعة شدّدت ودققّت وضيّقت في طريقة اثبات الزنا اذ اشترطت شهادة أربعة رجال عدول يرون الجريمة في حالة معينة ومحدّدة وان خالفهم واحد منهم اعتبر الثلاثة قاذفين وأقيم عليهم حد القذف وكل ذلك رعاية لحرمة أعراض الناس، ولكن نميري وثالوثه اعتبروا نقص الإثبات ضرورة فقالوا عن إثبات الزنا بالشهادة المادة (77/2) بشهادة أربعة رجال عدول وتؤخذ عند الضرورة شهادة غيرهم. كما اعتبروا شهادة النساء في الحدود مخالفين بذلك الشريعة، المادة (78/2) بشهادة رجلين، كما تثبت عند الضرورة (بشهادة رجل وامرأتين أو أربعة نسوة) كما أنهم بتمييزهم ضد المرأة قد خالفوا الدستور.. وجاء في المنشور الجنائي 97/83 باشتراط البلوغ والإسلام لأداء الشهادة في جرائم الحدود والقصاص الاّ في حالة الضرورة كما جاء فيه اشتراط الذكورة الاّ في حالة الضرورة كما أنّ النميري وثالوثه نصّصوا على قبول البينة التي يتم الحصول عليها بوسائل غير مشروعة، المادة (11 اثبات)، وهكذا منعوا شهادة غير المسلم الاّ للضرورة المزعومة ومن باب أولى تولية القضاء لأن القضاء أكبر من الشهادة..

القذف


المادة (434) (كل من يرتكب جريمة القذف يعاقب بالجلد ثمانين جلدة إذا كان المقذوف في حقه مسلما وبالجلد والغرامة أو السجن في الحالات الأخرى).. فلماذا الجلد ثمانين جلدة إذا كان المقذوف (مسلما) وبالجلد والغرامة أو السجن في (الحالات الأخرى)! لماذا أجملت هذه الحالات ولماذا لم يحدثونا عن سبب هذا التمييز الغريب!
وعن عقوبة الزنا جاء قولهم: (على أنه لا يعاقب بالعقوبة المنصوص عليها في البند (1) أو البند (2) من هذه المادة أي شخص يكون دينه السماوي قد شرّع أي عقوبة أخرى للزنا وفي هذه الحالات يعاقب الجاني بالعقوبة الأخرى أو في حالة عدم وجودها بالجلد بما لا يجاوز ثمانين جلدة وبالغرامة أو السجن لمدة لا تقل عن سنة) فلماذا اختلفت عقوبة المسلم عن غير المسلم وما هو الإحصان في مراجعهم ومن يستحقه؟!
حدث كل هذا التمييز الممجوج مع أنّ الحدود هي تشريع اجتماعي وهو وراء العقيدة يقوم على صيانة العرض وصيانة المال لكل الناس وعلى قدم المساواة، يصان ماله وعرضه ويصان منه عرض الناس ومالهم.

الشروع في الزنا


إنّ اتهام أحد بالزنا اما أن تثبته بطريقة الإثبات المشدّدة وإما أن تعتبر قاذفا فتعاقب عقوبة القذف ولكن الإمام المزعوم والثالوث ابتدعوا قصة الشروع في الزنا فلم يراعوا حرمة العرض. وإن استعمال كلمة الزنا لا تقال الاّ بعد استيفاء الشهادة الكاملة عليها ولكنهم أكثر من ذلك فانهم يتقاضون لإمامهم غرامات من هذه المخالفات، المادة (319) ووجد قضاة يقضون بهذه الغرامات ويأخذون بنصيبهم منها، كان هذا منهم، مع أن العلماء الواعين يمنعون مجرّد التعزير بالمال وذلك (لما فيه من تسليط الظلمة على أخذ مال الناس فيأكلونه)..

الحرابة


للحرابة تعريف شرعي محدّد وحين تستوفي تعريفها وشرائطها تقوم عقوبتها ولكن الإمام وثالوثه أخذوا تعاريف قانون 74 الوضعية للنهب وللتعدي والسطو على الأماكن ليلا وركّبوا عليها عقوبة الحرابة فكانت عقوبة شرعية على جرائم وضعية وقد بلغ تأثرهم بالقوانين والتعاريف الوضعية أنهم قالوا في المادة 393/1983 (فإذا كانت الجريمة سرقة فيجوز الحكم بالإعدام أو القطع من خلاف أو السجن أو النفي) وذلك لأن المادة 393/1974 قالت: (فاذا كانت الجريمة المراد ارتكابها جريمة سرقة فيجوز أن تصل مدة السجن عشرة سنوات) وهكذا تأثروا بالتعريف الوضعي للحد الذي جعلهم يقولون عن حد (الحرابة) (يجوز) ولكن الأمر في الشريعة اما أن يكون هناك حد فينفّذ والا فلا!
تقول المادة 335/1974 (من شرع في ارتكاب جريمة النهب يعاقب بالسجن مدة لا تتجاوز 7 سنوات كما تجوز معاقبته بالغرامة أيضا)..
وتقول المادة 335/1983 (من شرع في ارتكاب جريمة النهب يعاقب بالجلد والغرامة والسجن) هذا مع أنهم يعتبرون النهب حرابة ومن شرع في الحرابة ليست عقوبته كذلك.
جاء في المادة 334/1983 (من ارتكب جريمة النهب يعاقب بالإعدام أو الإعدام مع الصلب أو القطع من خلاف أو السجن المؤبد مع النفي) والسجن المؤبد ثلاثين سنة ولا ندري من أين أتوا به ليضيفوه إلى النفي في عقوبة الحرابة، فالسجن يقول به بعض الفقهاء الذين يفسرون النفي بالسجن وهؤلاء يرون أن يسجن سنة قياسا على تغريب الزاني أما الثلاثون سنة هذه الاّ أن تكون تبرعا من (الإمام). ومع أن الحرابة تسمى السرقة الكبرى ويشترط في حدّها الحرز والنصاب فقد سكتوا عن ذلك ممّا جعل بعض المحاكم تحكم بقطع شخصين من خلاف في أقلّ من خمسين جنيها!!