الوثيقة الثانية:
استغلال المنشور لتنفيذ التآمر الجنائي
وجاءت هذه الوثيقة كحلقة لاحقة، مُكمِّلة للوثيقة الأولى وهي إنما تثبت التحرُّك لتنفيذ القصد الجنائي المبيَّت، وهو تصفية الأستاذ محمود جسديا، تحت تهمة الردة الملفقة، وقد نشرت الوثيقة بجريدة الأيام بتاريخ 22 مايو 1985 وهذه صورة لها:
الأخ الرئيس القائد - السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
المنشور المرفق وزَّعه الجمهوريون وقد قبض على ستة منهم وتم التحقيق معهم وسوف يقدمون للمحاكم. وبهذا فقد أتاحوا لنا فرصة تاريخية لمحاكمتهم.. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.. ولا شك أنها بداية لمسيرة ظافرة بإذن الله يتساقط دون هدفها كل مندس باسم الدين وكل خوَّان كفور. ولله الأمر من قبل ومن بعد. وفَّقكم الله لقيادة المسيرة الظافرة وأقام نهج الله على آثار المصطفى صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن سار بسيرهم ومنهجهم إنه سميع مجيب الدعاء.
النيَّل عبد القادر أبو قرون
6 ربيع ثان 1405
الحمد والشكر لله ولصفيه
ورسوله محمد رسول الله
والله أكبر على المنافقين
6 ربيع ثاني 1405
نميري
وإذا أخذنا الوثيقة الأولى التي حكم فيها نميري مسبقا بالردة على الأستاذ محمود بقوله عن فكره أنه: (الردة بعينها)، ثم إذا أخذنا هذه الوثيقة التي يعلِّق فيها مستشاره القضائي على تقديم الجمهوريين للمحاكمة بسبب منشورهم بقوله: (وبهذا فقد أتاحوا لنا فرصة تاريخية لمحاكمتهم) ويعلِّق عليه نميري بعبارة: (الحمد والشكر لله) وبعبارة (الله أكبر على المنافقين) لتكشفت خيوط هذا التآمر بجلاء. فالقصد والترصد في الوثيقة الأولى قد أتيحت لهما فرصة التنفيذ في الوثيقة الثانية فعبارة: (الله أكبر) تدل على التصميم على إنفاذ الأمر.. والوعيد بالقتل ظاهر من عبارات مستشار نميري القضائي (وسيعلم الذي ظلموا أي منقلب ينقلبون) (ولا شك أنها بداية لمسيرة ظافرة بإذن الله يتساقط دون هدفها كل مندس باسم الدين، وكل خوَّان كفور).. والتهمة بالردة ظاهرة من كلمة (كفور) والوعيد بالقتل ظاهر كذلك من كلمة (يتساقط).. إذ كيف يتساقط المتهم بالكفر (الردة) إن لم يكن بالقتل؟؟
وعبارة أبو قرون تتطابق مع عبارة المهلاوي التي ساقها عند إعلان الحكم بالإعدام وهي: (حتى يتعظ غيرهم من أصحاب الدعاوى الهدَّامة) مما يدل على وحدة القصد، وتكامل التآمر.. ثم لماذا توصف محاكمة الجمهوريين بأنها (فرصة تاريخية) إن لم تكن هذه الفرصة في حجم ذلك التآمر الجنائي؟؟ أفلا يدل تعبير (وبهذا فقد أتاحوا لنا فرصة تاريخية لمحاكمتهم) على أنه يقصد أن هناك ترصُّداً وتحيُّناً لمحاكمة الجمهوريين بعد أن أعلن الرئيس القائد ردتهم وأمر مستشاريه بأن يستعدوا؟؟
وجاء تعليق نميري على البشارة التي ساقها إليه مستشاره القانوني بوقوع الجمهوريين في أيديهم بقوله: (الحمد والشكر لله) أي على (الفرصة التاريخية) التي أتيحت لمحاكمة الجمهوريين، مما يدل على تطابق هذه الفرصة مع نية مبيَّتة.. وعبارة (والله أكبر على المنافقين) تشير بوضوح إلى الوعيد بالقتل.. ولماذا يحتفل نميري ومستشاره القضائي كل هذا الاحتفال بمجرد القبض على الجمهوريين وتقديمهم للمحاكمة، إذا لم يكن هناك قصد جنائي، وتآمر جنائي كان يتحيَّن الحين ليباشر التنفيذ؟؟ أما كان أجدر بمن هو في موقع رأس الدولة، وبمستشاره القضائي، أن يتخذ الحيدة، فيترك العدالة تأخذ مجراها في القضاء، إن كان هناك عدالة أو استقلال قضاء؟؟ ألا يفسِّر هذا الموقف المبيَّت نحو الأستاذ محمود تحوُّل القضية من قضية جنائية تحت قانون العقوبات في محكمة الموضوع إلى قضية ردَّة تحت قانون أصول الأحكام القضائية في محكمة الاستئناف؟ ألا يفسِّر هذا الموقف المبيَّت نحو الأستاذ محمود مسارعة نميري بتأييد الحكم وتنفيذه بعد تلفيق قضية ردة جديدة بمستندات جديدة؟
إن هذه الوثيقة لهي أخطر الوثائق الدالَّة على الخرق الصريح لاستقلال القضاء الذي كان يمارسه نميري ومستشاروه القانونيون.. وإلا فلماذا يعبِّر النيَّل أبو قرون بعبارة (وبهذا فقد أتاحوا لنا فرصة تاريخية لمحاكمتهم)؟؟ إلى من يرجع الضمير في (أتاحوا لنا) من الذي سيتولى المحاكمة، القضاء أم القصر؟؟ إن انتهاك استقلال القضاء بهذه الصورة، لشديد الدلالة على توفُّر عناصر التآمر الجنائي في هذه القضية. ولماذا توصف هذه المحاكمة بأنها (بداية لمسيرة ظافرة بإذن الله يتساقط دون هدفها كل مندس باسم الدين، وكل خوَّان كفور) إن لم يكن القصر قد بيَّت القصد ليتَّخذ من هذه المحاكمة وسيلة ردعية لكل من يعارض النظام؟ هذا والنيَّل أبو قرون الذي ينقل لنميري في هذه الوثيقة، البشارة بوقوع الجمهوريين في أيديهم بذلك المنشور، هو نفسه أحد المستشارين الذين كلَّفهم نميري، في الوثيقة الأولى، بإعداد العدة لتوقيع حكمه المسبق بالردة!