العقيدة والتربية:
انّ جميع المشاكل والازمات، التي تكتنف حياة جميع الناس اليوم، في جميع بقاع الارض، هي مظهر لأزمة وأحدة اساسية هي ازمة الاخلاق .. ولذلك، لعلاج جميع هذه المشاكل، لابد من رد الناس الى أصول الاخلاق .. وهذا امر لا يتوفّر الا في الاسلام – في مستوى أصوله – مستوى السنّة .. فمنهاج السنّة، في تقليد المعصوم، هو المنهاج العلمي، والعملي، الذي يستطيع أن يحقّق القيم الداخلية الدقيقة، ويعيد تربية الافراد، والجماعات، بالصورة التي تكفل حل مشاكل الانسانية المعاصرة، وتحقّق على الارض مجتمع الرخاء والسلام .. ولكن لا سبيل الى بعث الاسلام، في مستوى السنّة، الا إذا تم تصحيح فساد العقيدة عند المسلمين، بالصورة التي تحقق فعالية المنهاج في تغيير النفوس، وتحقيق القيم التربوية الرفيعة .. فالتربية في الاسلام مرتبطة، ارتباطاً وثيقاً، بالعقيدة، وبالتوحيد .. فالعقيدة الصحيحة تجد تعبيرها في السلوك الصحيح الذي يراعي جانب الله في كل ما يعمل السالك، وما يدع .. وكذلك العقيدة الفاسدة تجد تعبيرها في السلوك الفاسد .. فالايمان ينعكس على العمل، ولذلك قال المعصوم: (الايمان ما وقر في القلب، وصدّقه العمل) .. فكل السلوك، أو عمل، يعمله المسلم، هو تعبير عن القدر الذي ينطوي عليه من الايمان .. وقد قال المعصوم عن الايمان وارتباطه بالعمل: (الايمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول لا إله الا الله، وادناها اماطة الاذى عن الطريق، والحياء شعبة من الايمان) .. فلكل ذلك، ولبعث الاسلام، واعادة تربية المسلمين من جديد، وحل مشاكلهم، لابد من تصحيح العقيدة عندهم، بالصورة التي تعين على أحداث ثورة التغيير .. فقد فسدت عقيدة المسلمين فساداً كبيراً، حتى بالنسبة لمستوى العقيدة في الشريعة، ولا يختلف في ذلك الائمة، والعلماء، والدعاة، عن عامّة الناس .. فهم جميعاً، بالنسبة لفساد العقيدة، قد أصبحوا في مركب وأحد .. بل انّ الامر بالنسبة للعلماء، والدعاة، أسوأ، اذ انّهم يجدون في أنفسهم من الجرأة على تقّحم حرمة العقيدة، ما لا يجده العامّة .. وقد تجسّد فساد عقيدة المسلمين، في هذه الحياة المضطربة، المفارقة لقيم الدين، التي يعيشونها اليوم .. هذا مع انّ العقيدة، في مستوى الشريعة، حتى ولو كانت على أحسن صورها من الصلاح، ومن النقاء، هي دون قامة العصر، ودون حاجته .. فانّ عصرنا الحاضر، عصر التقدّم العلمي الكبير، هو عصر قد وصل فيه الفرد البشري الى مستوى من الذكاء، ومن رهافة الحس، لا يقبل معه الدين الا في مستواه العلمي – مستوى اليقين .. وهو المستوى الذي تصبح فيه العقيدة، من الدقة، والوضوح، حتى لكأنها تتجسّد فتصبح ملموسة ..
ونحن، في هذا الكتاب، سنتجه الى تبيين فساد عقيدة المسلمين حتى بالنسبة للشريعة .. ثم نتجه الى تصحيح هذا الفساد في العقيدة في المستوى الذي يحتاجه العصر، وتقتضيه التربية المنشودة، ويستطيع ان يحل مشكلات الانسان المعاصر .. وهذا المستوى هو مستوى الأصول – المستوى العلمي من الاسلام – مستوى السنّة التي بشّر النبي الكريم بأن الاسلام انّما ينبعث ببعثها ..