بسم الله الرحمن الرحيم
(وأمّا الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنز لهما، وكان أبوهما صالحا، فأراد ربّك أن يبلغا أشدّهما، ويستخرجا كنزهما، رحمة من ربّك، وما فعلته عن أمري.. ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا!!)
صدق الله العظيم..
المقدمة:
هذا الكتاب إنما يجمع ثلاث مناسبات، هي: ميلاد محمد، وميلاد المسيح، وميلاد السودان، فيقيم القرينة بين هؤلاء المواليد الثلاثة... أما ميلاد محمد، عليه صلاة الله وسلامه، فهو ميلاد أكبر نبوة في الأرض، وآخر نبوة في الأرض.. هو سيد الأنبياء، وخاتمهم.. ولقد كانت سائر النبوات تنزلات من مقامه هذا.. ومقامه هو في الملكوت، مقام الحقيقة المحمدية (اسم الله الأعظم).. وهذا المقام هو مقام (الوسيلة) ين الذات الإلهية والخلائق، والذي هو ممّا يلي الذات مطلق، ومما يلي الخلائق مقيّد – هو مقيد ومقيّد ــ قيد الذات... ولقد ألمّ محمد في معراجه إلى الملكوت، بهذا المقام، فقامه في تلك الإلمامة المعبّر عنها (بالشهود الذاتي)، ثم نزل عنه إلى نبوته، فعاش حياته، بمنهاج هذه النبوة، ليجسّد هذا المقام، فينزله من ملكوته إلى الملك – إلى الأرض.. ولقد بلغه عند التحاقه بالرفيق الأعلى فقامه في عالم البرزخ، قريبا من عالم الملك (الأرض).. وذلك حيث حققه تحقيقا برزخيا، بعد أن حققه في معراجه، تحقيق ملكوتيا... ثم إنه أخذ يشد هذا المقام من الملكوت إلى البرزخ حتى يتم للمقام التحقيق المجسد في الأرض... فالحكمة الكبرى من التحاق محمد بالرفيق هي أن يحدث هذا الفتق الروحي بين عالم الملكوت وعالم البرزخ، فيحدث بينهما ذلك الجولان الذي يكون من جرائه بروز المقام في عالم الملك بينهما، بأن يتم تجسيده بين هذين الطرفين الروحيين، كما يتم مخض الزبدة من اللبن... هذا عمل محمد الروحي، في برزخه، لتحقيق حقيقته في الأرض... وهو إنما يقابله عمل روحي، في الأرض، من السالكين على منهاج نبوته، هو تقلّبهم الروحي بين المقام المحمدي في برزخه وبين الحقيقة المحمدية في ملكوتها... فمن البرزخ يجدون محمدا في رؤاهم، ويقظتهم، بما يطمئنهم ويثبت أقدامهم، ومن الملكوت يستمدون واردات المعارف التي تشحذ هممهم، وتسدد خطاهم.. وعمل محمد الروحي، البرزخي والذي استغرق قرونا طوالا منذ انتقاله، إنما قد اقتضاه حكم الوقت المتمثل في استعداد الأرض لنزول هذا المقام إنسانا كاملا يسعى هو المسيح المحمدي... ولقد ظل محمد في برزخه، إماما هاديا لأوليائه، من بعده، يمدهم بعطاء ولايته، ويخصهم بسابغ رعايته، حتى يعد بهم الأرض لذلك النبأ العظيم..
والجولان بين البرزخ والملكوت لإبراز المقام في الملك، إنما هو بمثابة جولان الفكر بين الماضي والمستقبل، لدى الفرد البشرى.. وذلك بدافع تأمين الحياة... فإذا جاء الإذن بالأمن حدث التوقف الفكري، وباشر الفرد اللحظة الحاضرة، فوجد فيها وجوده الحقيقي – وجد (الله).. وتلك (ليلة قدره) .. كما إن لحظة مجيء اسم (الله) الأعظم مجسدا في الأرض هي (ليلة القدر) التي يتوقف فيها الجولان بين البرزخ والملكوت، وإنما يتوقف الجولان لأن لحظة المجيء إنما هي أصل الزمن، وهي اللحظة الحاضرة، حيث ملتقى الماضي والمستقبل.. وهذه اللحظة الحاضرة إنما هي المعبّر عنها بالساعة.. وفى الساعة وارد قوله تعالى: (يسألونك عن الساعة أيّان مرساها... قل: إنما علمها عند ربى، لا يجلّيها لوقتها إلا هو!! ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلاّ بغتة!! يسألونك كأنك حفي عنها.. قل: إنما علمها عند الله!! ولكن أكثر الناس لا يعلمون!!) والساعة هذه هي لحظة المجيء هذا.. وفيها يستقر المقام المحمود على وجه الأرض ويلتقي لحظتئذ العوالم الثلاثة: الملكوت والبرزخ والملك..
أما المسيح النبي، المبعوث في بني إسرائيل، فقد كان ميلاده، وكانت حياته، قبسا من حياة المسيح المحمدي، اقتضاه وخصّص مقداره حكم الوقت، لذلك أخذ المسيح الأول اسمه من المسيح الثاني.. ولقد كانت رسالته أن يشد بني إسرائيل من طرف المادية التي أفرطوا فيها إلى طرف الروحانية التي فرّطوا فيها.. هذه هي حكمة مجيئه، حتى يجئ الإسلام وسطا بين هذين الطرفين: (وكذلك جعلناكم أمّة وسطا لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا..) وسطا بين الغلو في المادية، والغلو في الروحانية، فيتم فض التعارض بين الدنيا والأخرى لتكون (الدنيا مطية الآخرة)، كما هي كلمة نبي الإسلام الجامعة.. وكذلك جاء الإسلام برسالتين، الأولى أقرب إلى طرف البداية (اليهودية)، والثانية أقرب إلى طرف النهاية (المسيحية) والحكمة من هذه (الوسطية) هي الحكمة نفسها من مجيء النشأة البشرية وسطا بين نقيضين... هما الأرواح العلوية المشرقة، والأرواح السفلية المظلمة – الملائكة والأبالسة.... فالملائكة عقول بدون شهوة، والأبالسة شهوة بدون عقول.. وجاءت النشأة البشرية برزخا بين النقيضين... فكانت شهوة ركّب عليها العقل ليسوسها.. فأصبحت هذه النشأة تتأرجح بين نقيضين، تصيب، وتخطئ.. وفى ذلك كمالها.. ولقد قال المعصوم في ذلك: (إن لم تخطئوا، وتستغفروا، فسيأت الله بقوم يخطئون، ويستغفرون، فيغفر لهم!!) والنشأة البشرية بذلك أكمل من النشأة الملائكية، لأنها عن طريق الخطأ تتعلم، فتختلف بذلك عن الملائكة الذين ضربت عليهم العصمة من الخطأ: (لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون).. فهم علماء، ولكنهم غير أحرار.. فيجئ البشر، عن طريق الخطأ والتعلم من الخطأ، علماء، وأحرارا.. ولقد كانت هذه هي النشأة، من الوهلة الأولى، وفي سحيق الآماد، حتى بلغت البشرية في الدهر الدهير، طور الحيوانية العليا، فبرزت البشرية المعاصرة من ذلك بتخطي طور الحيوانية على النحو التالي: فقد كانت البشرية، وهي في طور الحيوانية صماء، مستغرقة في الشهوة، وهي لا تتصور عاقبة الأمور، ولا اعتبار عندها لعنصر الزمن (المستقبل)... فلمّا واجهتها البيئة بموجبات الخوف انفتقت من تلك الصمامة فانزعجت عن الحاضر، وانشدّت إلى المستقبل وظهر عندها اعتبار الواجب، في مقابل اعتبار الرغبة... فبرز (الخيال) الذي يتصور النتائج المتوقعة كطرف نقيض (للذاكرة) التي تختزن التجارب السالفة، ومن لقاح الذاكرة والخيال نشأ العقل بحركته بين الذاكرة (النفس)، والخيال (الروح)، وانقسمت البنية البشرية، بذلك، إلى عقل واع وعقل باطن، فكانت النشأة البشرية.. وهذه النشأة لها مقابل أيضا، في التطور الروحي عند المجودين السالكين.. فإن النفس، منهم، قبل التزامهم بمنهاج السلوك، إنما تكون نفسا حيوانية مسترسلة في الشهوة (النفس الأمارة بالسوء)، فإذا اخذوا بمنهاج السلوك، انفتقت النفس إلى نفس كابتة ونفس مكبوتة (النفس اللوامة)، فانشدّت إلى الطرف النقيض، وهو طرف الشفافية الروحانية (النفس الملهمة) فاحتاجت إلى الرجوع إلى خط الاستقامة (النفس الكاملة) وهي النفس التي انفضّ تناقضها، واتّسقت قواها المادية والروحية وذلك عبر (النفس المطمئنة)، و(النفس الراضية)، و (النفس المرضية)..
وهكذا فإن رسالة موسى قد جاءت مكافئة لواقع البشرية البدائي الغالي في المادية، فجاءت رسالة المسيح بمثابة رد الفعل لذلك الغلو، فنزعت إلى الغلو في الروحانية، وذلك ممّا اقتضى أن يجئ محمد، برسالتيه، وزنا بالقسط، بين ذلك الفعل ورد الفعل.. أما رسالته الأولى فقد كانت خطوة نحو تلك الاستقامة التي لا تجئ إلا بتوحيد الثالوث الإسلامي: اليهودية، والمسيحية، والإسلام، في دين واحد، هو الإسلام دين (الله) (إنّ الدين عند الله الإسلام)، مما لا تتوفّر عليه إلاّ رسالة محمد الثانية..
أمّا الجمع بين ميلاد السودان وبين ميلاد محمد وميلاد المسيح، فهو الجمع بين النظرية، والتطبيق.. فإنّ السودان مرشح، عندنا، لأن يكون الأرض التي يتم على أديمها تطبيق رسالة محمد الثانية على يدي المسيح المحمدي، وهو مرشح لأن يكون شعبه هو الشعب الذي سيحمل هذه الرسالة إلى جميع الشعوب، فيقودها إلى هذا البعث الروحي الأكبر.. القرينة بين السودان وبين محمد والمسيح قرينة روحية.. فالسودان هو موطن الهجرة الروحية الكبرى – هجرة محمد من برزخه، وهجرة الحقيقة المحمدية من ملكوتها!! ولقد ولدت الدعوة إلى هذا البعث الأكبر في وقت يكاد أن يكون واحدا مع ميلاد السودان (الاستقلال).. وما استقلال السودان إلاّ بداية تحريره ليملك أن يحمل رسالة التحرير لكل الشعوب... ومن أول الدلائل على انّه قد أُعد لهذه الرسالة، تماما، ظهور يد العناية الإلهية وهي ترعاه، وتسدده، طوال ماضيه وحاضره.. ومن ذلك أنّ استعمار السودان قد قُيّض له أن كان استعمارا ثنائيا من دولتين هما بريطانيا ومصر، ممّا أدخل هاتين الدولتين في صراع بينهما على مستقبله صرفهما عن إحكام القبضة عليه، ودفع كلتيهما إلى السعي لكسب ولاء السودانيين، مما عجّل بالاستقلال، فجاء بأقل تضحيات ممكنة، سليما من الارتباط بأي من دولتي الحكم الثنائي.. فبين ثنائية الاستعمار جاء الاستقلال!! (هذا إلى جانب نضال السودانيين الذي تأثر مجراه بطبيعة هذه الاستعمار الثنائي)..
ثم إننّا نحب أن تكون الخلفية التي تنتظم هذا الكتاب، وهو يتناول ميلاد محمد، وميلاد المسيح، وميلاد السودان، هي الدقيقة العرفانية، والسلوكية المتمثلة في كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) كما ذهبت إليه هذه المقدمة.. فإنّ كلمة التوحيد قد استمدت كمالها من أنها قامت على طرفي النقيض، النفي (لا) والإثبات (إلاّ)، حيث إن الحقيقة برزخ (وسط) بينهما!! والبرزخ في (لا إله إلا الله) هو اسم (الله) الأعظم.. ثم إنّ هذا الاسم برزخ بين المطلق في إطلاقه وبين جميع الخلائق، وهو، بذلك، في مقام (الوسيلة) – مقام الحقيقة المحمدية كما يجسّدها الإنسان الكامل.. وهكذا جاء محمد، برسالتيه، وسطا بين اليهودية، والنصرانية، ثم إنّ محمدا إنّما يسعى بين البرزخ والملكوت، ليشد اسم الله الأعظم، بينهما، إلى الملك، مما تنعكس آثاره الروحية على موطن هذا البعث الروحي الأكبر – (السودان) – تتمثل في العناية الإلهية به، وفى ظهور الدعوة إلى هذا البعث بين ظهرانيه، وفى مجيء استقلاله تداعيا بين طرفي استعماره المتنازعين.. كل أولئك إنّما يجرى مجرى التوحيد، وفق كلمة التوحيد (لا إله إلا الله).. ورسالة السودان هي أن يبعث هذه الكلمة، في ثورة فكرية وثقافية شاملة، فإنها هي مناط توحيده، وتقدمه، ومنزل شرفه، وعزّه..
والآية التي صدّرنا بها هذه المقدمة إنّما تمثل، في تأويلها، تلك القرينة الروحية بين محمد والمسيح والسودان – وعطاء القرآن في التأويل لا ينفد (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربّى لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربّى، ولو جئنا بمثله مددا)، أمّا تفسير الآية فشائع، ومتاح.. وفى تأويل الآية: (الجدار) السودان، و(الغلامين) محمد، والمسيح، و(الكنز) القرآن.. ممّا يعنى أنّ يد العناية الإلهية تتعهد السودان بالتسديد، حتى يبلغ محمد والمسيح مبلغهما في تحقيق اسم الله الأعظم، وفى تجسيد القرآن.. والقرينة بين السودان والقرآن هي فيما تميز به السودان من الدخول في الإسلام عن طريق التصوف، لا عن طريق الجهاد، ولا عن طريق الفقه، ومن التشرب بأخلاق التصوّف، الذي، هو، في الحقيقة تجسيد لأخلاق القرآن، تأسيا بالصوفي الأول، محمد، الذي (كان خلقه القرآن).. كل أولئك إنّما يوجب على السودانيين أن يتفطنوا إلى دورهم الأساسي في هذه الحياة، وهو أن يكونوا وعاء لذلك البعث الروحي الأكبر.. السودان، منذ اليوم، هو (نقطة التقاء أسباب الأرض بأسباب السماء..)..