المرحلة الأولى من مراحل المعاملة
كف الأذى
إن أبسط صور المعاملة، وأدناها، هو كف الأذى عن الآخرين: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده).. (كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه، وأن يظن به ظن السوء).. والأذى يقع في ثلاثة مستويات، تتفاوت في الغلظة: أولها وأغلظها، الأذى في مستوى الفعل، ثم الأذى في مستوى القول، ثم الأذى في مستوى الفكر، أو الخاطر، وهذا ما أشار إليه الحديث بعبارة (وأن يظن به ظن السوء).. وصور الأذى التي تمارس في حياتنا اليومية لا حصر لها، ويمكن أن نعرض هنا بعض النماذج منها..
نماذج من الأذى:
يمكن أن يقال بصورة عامة، إن كل فعل، أو قول، أو خاطر، يتسبب في ضياع حق، مادي أو معنوي، للآخرين، أو يجرح إحساس أحد، أو يقلّل من مكانته، بصورة مباشرة، أو غير مباشرة، هو من الأذى الذي ينبغي كفّه.. ونحن قد نكون من الغفلة، ومن بلادة الحس، بالصورة التي نؤذي الآخرين دون أن نشعر بذلك..
ونحن إذا نظرنا إلى عاداتنا الاجتماعية نجد الكثير من صور الأذى للآخرين، فمثلاً مناسبات الزواج نجد فيها المبالغة في المهور، والصرف ألبذخي الذي يحرج وضع غير المستطيعين، ويؤدي إلى أزمة الزواج، بالصورة التي نراها اليوم، وكذلك الحفلات الصاخبة، والتي تستمر حتى الصباح، وبصورة لا يمكن للجيران أن يجدوا منها فرصة للراحة.. وحتى الحج لم يعد شعيرة دينية، وإنما مناسبة اجتماعية تقوم على التفاخر، والتباهي.. وفي الحج تتم أكبر صور المفارقات الدينية من الربا، والرشاوى لاستخراج جوازات السفر، وتسهيل العمليات المختلفة.. وسلوك المواطنين في الأماكن العامة، وفي المركبات العامة، تتم فيه الكثير من صور الأذى، فأنت مثلاً تجد الناس يتسابقون، ويتزاحمون على المركبات العامة، دون مراعاة للنساء، ولكبار السن، وللضعاف.. وأنت تجد من يدخنون داخل المركبات العامة، والمزدحمة بالركاب، دون أيِّ شعور بما يسببونه من ضيق، وأذى، للآخرين.. ومن صور السلوك الشائعة، والتي تتسبب في الكثير من الأذى للآخرين، عدم الانضباط في المواعيد، فهذا من أسوأ صور المعاملة، التي تدل على عدم التمدين، وعلى المفارقة لقيم الدين..
وهنالك الكثير من عادات سلوكنا الشخصي، تتم بصورة مؤذية للآخرين، فنحن عندما نبصق، أو نعطس، يجب أن نراعي اعتبار الآخرين.. حتى الأكل، والشرب، واستخدام الأواني، ووضعها يجب أن يتم بصورة غير مؤذية للآخرين.. ومن صور الأذى، صور متعلقة بالإنتاج، منها التقصير في أداء العمل، وفي تجويده، وعدم الحرص على مواعيده.. وهناك صور من الأذى متعلّقة بالاستهلاك، باستخدام المال العام.. فقد انتشرت الاختلاسات وسرقة الأدوات، وقطع الغيار، كما شاع الإهمال، وسوء استخدام الممتلكات العامة، بصورة تؤدي إلى إتلافها، أو تؤدي إلى صور من الصرف غير المبرر، الذي يرهق كاهل المواطنين.. فأنت إذا نظرت إلى المكاتب والمصانع، والورش، فإنك تجد سوء تعامل مع الماكنات، والأثاثات، يتم بصورة دائمة، ويتسبب في إهدار الطاقات، وفي خسارة البلاد ملايين الجنيهات.. إن مجرد سوء التعامل مع الأشياء البسيطة في المكاتب، مثل إتلاف الورق، أو سوء استخدامه بالكتابة على جزء بسيط من الورقة، ثم رميها في سلّة المهملات، ومثل الإهمال في الدبوس.. هذه الأشياء التي تبدو بسيطة تتسبب في أذى المواطنين، وإهدار حقوقهم بصورة كبيرة.. ومن المسائل المنتشرة في المكاتب اليوم، إضاءة الأنوار بالنهار، ودون حاجة إليها.. وتشغيل المراوح و(المكيفات) حتى عندما تكون المكاتب خالية..
وأنت لا تجد فئة من الفئات الاجتماعية، عند ممارستها لعملها، لا تهدر حقوق الآخرين، وتتسبب في أذاهم، عن قصد أو إهمال.. فنحن إذا أخذنا فئة التجَّار، نجد أنهم يتعاملون بالربا، والرشوة، ويتخذون شتى الوسائل، والحيل، غير القانونية، للتهرّب من واجباتهم الضريبية.. ويقومون بتهريب السلع إلى داخل وخارج البلاد.. ويخفون السلع ليبيعوها في السوق السوداء، ويتلاعبون في الكم والنوع بأساليب عديدة.. وكل ذلك مما يؤدي إلى عدم الوفرة في السلع، وعدم الجودة، ويتسبب في الأزمات الاقتصادية، وفي الارتفاع الجنوني للأسعار.. وعلى ضوء هذه النماذج يمكن التفكير في سلوك كل فئة، أثناء تأديتها لعملها وما يتسبب فيه هذا السلوك من أذى للآخرين، وضياع لحقوقهم..
هذه مجرّد نماذج لسوء المعاملة، والأذى للآخرين.. ويمكن للقارئ أن يفكر في ما يتم على يديه من سوء معاملة وأذى للآخرين، فهو لا بد واجد العديد من الصور.. ويمكن له أن يفكر في صور للآخرين المتفشية في المجتمع، فهي لا حصر لها، على أن يكون تفكيره في صور الأذى هذه، ليستدل بها على ما يسببه هو نفسه من أذى للآخرين، فيسعى جاداً للتخلّص منها..
أسلوب الإسلام في التربية على كف الأذى:
إن أسلوب الإسلام في التربية، وتخليص الفرد من الخطيئة، وسوء المعاملة، يبدأ بالأسلوب العكسي.. ونهج السنة في التخلّص من هذه العيوب إنما يقوم على المراقبة والمحاسبة.. فالسالك في طريق الله يراقب نفسه، في أول أمره، ويحاسبها، لتترك عيوب العمل، وقد تكون في هذه الأثناء متورّطة في عيوب القول، ولكنه يسمح بذلك كمسايسة للنفس، وتدريج لها، ثم هو بعد أن يتخلّص من عيوب العمل، يزحف على عيوب القول، في الوقت الذي قد تكون فيه نفسه متورطة في عيوب الخواطر، ولكنه كتدريج لها يسمح لها بذلك ريثما ينتهي من عيوب القول، ثم هو إذا استطاع أن يضبط لسانه، واستقام له أمره في ذلك، زحف على الخواطر، وعمل على تهذيبها، حتى يتخلّص من الخواطر الشريرة فيسلم صدره من الوساوس، وتتنقّى سريرته.. والخطيئة إنما تبدأ في الخاطر ــ في الفكر ــ ولذلك فإن تنقية الخواطر هو اقتلاع للخطيئة من جذورها.. والقرآن حين قال: (وذروا ظاهر الإثم وباطنه) قد جعل ترك ظاهر الإثم وسيلة لترك باطنه.. فكأنه قال: (اتركوا ظاهر الإثم لتتمكنوا من ترك باطنه، لأن باطنه هو مصدر كل الشرور).. والقرآن يطارد هذه الشرور حتى أغوار السريرة ليقضي عليها، وفي ذلك يقول تعالى: (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) أو يقول: (وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى)..
وعن طريق كف الأذى بهذه الصورة التي ذكرناها، يتحقق للفرد شيء كثير من إنسانيته، إذ يتخلّص من الشراسة، ومن الاتجاهات العدوانية، التي هي صورة الحيوان في الإنسان، وميراثه من عهد الغابة.. وبالتخلّص من ظلم الآخرين يتحقق الأمن للفرد وللجماعة، وهذا من معاني قوله تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون).. ولذلك فإن كف الأذى هو، في المكان الأول، لمصلحة الفرد الذي يكف أذاه عن الآخرين، ثم هو لمصلحة الجماعة.. ورغم كل الذي ذكرناه عن كف الأذى، فإنما هو بداية السلوك الإسلامي الصحيح، أو سمّه السلوك الإنساني.. وكف الأذى هو الحد الأدنى من المعاملة..