دعوى الدفاع عن العقيدة:
ولقد استغلّ الأخوان المسلمون أحداث جامعة الخرطوم الأخيرة فحاولوا أن يصوّروها بأنّها حرب بين الكفر والإيمان، ليستثيروا عاطفة الشعب الدينية، وليجدوا تبريراً لتنفيذ مخططهم الرامي إلى تصفية كل خصومهم السياسيين، وذلك تحت ستار الدفاع عن العقيدة!! فلقد كثّفوا نشاطهم في هذا السبيل من منابر المساجد، وعن طريق المنشورات، والكتب .. وفيما يلي نسوق نموذجين من أحد منشوراتهم، ومن خطبهم في المساجد .. ففي منشور لهم بتاريخ ٢٠/٣/١٩٨٠، قالوا: «وجب علينا في الاتّجاه الإسلامي أن نعلن بكل وضوح أنّه إمّا جامعة سودانية إسلامية لأبناء المسلمين، أو تكون جامعة سوفيتية ملحدة .. لا بين بين ولا مناص من تحديد هويّة هذه الجامعة ولا سبيل أبداً إلى دعاوى الليبرالية وغيرها .. سيكون بعد اليوم باطلاً كل سبيل يكون من شأنه تحقيق وجود وأمن النشاط الشيوعي داخل جامعة الخرطوم – سيكون باطلاً بعد اليوم كل دستور أو قانون داخل الجامعة يحرس الشيوعيين ويسمح لهم بممارسة الإفساد (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كلّه لله)» .. وفي خطبة لأحدهم بمسجد نور الدائم بالشجرة قال وهو يتحدّث عن أحداث الجامعة، بتاريخ ٢١/٣/١٩٨٠، ما يلي: «إنّ موقف الحكومة قد يكون سلبي وموقف الناس قد يكون سلبي إلا أنّنا أخذنا موقفاً واضحاً منذ اليوم وأنّه لا يمكن أن يعيش معنا شيوعي أو جمهوري ملحد في أي موقع من هذا البلد» .. اسمع قولهم «أو جمهوري ملحد» وأعجب له! .. لقد بيّنّا خطل هذا الاتّجاه وما ينطوي عليه من جهل بالإسلام، وبالدستور والقانون .. في كتابنا «أزمة الجامعة الحل العاجل والحل الآجل» ..
واعتداؤهم على حفل طلابي بالمهدية:
ومن منطلق هوس الأخوان المسلمين الذي يوهمهم بأنّهم أوصياء على الآخرين، قاموا باعتداء بشع على حفل طلابي أقيم في المدرسة الثانوية العليا بالمهدية ضمن برنامج معسكر طلابي، وأصابوا المشرف على المعسكر الطلابي بطعنة سكّين ..
وقد أثير أمر هذا الحادث في أحد اجتماعات مؤتمر الاتحاد الاشتراكي السوداني المنعقد في الفترة من ٢٦/١/١٩٨٠ إلى ٢/٢/١٩٨٠ .. فقد جاء على لسان السيّد علي محمّد صدّيق عضو المؤتمر ما يلي: «قبل شهر هجموا على معسكر شُعب الطلاب وطعنوا الأستاذ المشرف على المعسكر بالسكّين .. وقد حدثت الحادثة يوم الخميس، وتحدّث كل أئمة جوامع المهدية يوم الجمعة عن المعسكر .. يوم السبت تحدّثت صحف الاتّجاه الإسلامي في جامعة الخرطوم وجامعة أم درمان الإسلامية وجامعة القاهرة عن المعسكر .. هذا عمل حزبي واضح يا سيّدي الرئيس. ومن الأحسن ألا ندخل رؤوسنا في الرمال .. الأخوان المسلمون حزب سياسي واضح ..» .. وتحدّث السيّد علي محمّد صدّيق عن المصالحة الوطنية وأغراض الأخوان المسلمين حين دخلوها، وفرّق بينهم وبين الإسلام، وطالب بأن يسمح الرئيس للشباب بالتصدّي للإخوان المسلمين بنفس السلاح الذي يستعملونه .. (وثائق المؤتمر القومي الثالث للاتحاد الاشتراكي ٢٦/١/١٩٨٠ - ٢/٢/١٩٨٠ الجلسة الثانية وثيقة رقم ﻡ ﻕ / ٣ / ٥) ..
يحدث هذا في حين أنّ تنظيم الأخوان المسلمين، تحت واجهة «الاتّجاه الإسلامي»، يمارس نشاطه بكثافة لا ينافسه فيها تنظيم آخر، مستغلاً إمكانات المدارس ووزارة الثقافة والإعلام، ووزارة التربية، نفسها، اللتين بلغتا من التهاون، والتواطؤ حد السماح بإقامة معرض الأخوان المسلمين بأرض المعارض بأبي جنزير، وبإعطاء المدارس الثانوية العليا عطلة رسمية ليتمكّن تنظيم الأخوان المسلمين من تسـيير مواكب طلابية، بمناسبة افتتاح المعرض .. وقد تعرّضنا لهذا الحدث بتفصيل واف في كتابنا «إلى متى هذا العبث بعقول الناس وبدين الله». وقد حوى ذلك المعرض من صور الهوس الديني ما كان يمكن أن يؤدي إلى فتنة سوداء بين المسيحيين والمسلمين، فقد كان تنظيم الأخوان المسلمين، غير المسئول، يستغل ما اسماه بالحملة الصليبية ضد المسلمين، وذلك بمناسبة ما قيل عن وجود مركز شباب مسيحي وجدت به كتب تسيء للإسلام، مما روّجت له الصحافة السودانية بتاريخ ٥/١/١٩٨٠، واعطته أكبر من حجمه، في سذاجة، وانخداع، في أحسن حالاتها فهي إنّما تمثّل لهذا النظام، دور الصديق الجاهل، هذا إذا صرفنا النظر عن استغلال الأخوان المسلمين والسلفيين لها، ولأجهزة الإعلام الأخرى، للترويج لهوسهم الديني، ولاتّجاهاتهم المنحرفة، البعيدة عن الشريعة، وعن الدين .. لقد اعطت الصحافة السودانية بإبرازها لذلك الخبر، وبتعليقها العاطفي الإنشائي المحشو بكلمات «الكفر»، و«العقيدة»، اعطت الأخوان المسلمين فرصة استغلال هذا الحادث لإحداث انقسام قومي خطـير، وإثارة فتنة دينية هوجاء ..