الإستراتيجية السوفيتية التوسعية
في السبعينات والثمانينات
و تكشف القيادة السوفيتية، نفسها، عن الإستراتيجية السوفيتية التوسعية في السبعينات، والثمانينات، والتي تستهدف السيطرة على (أي مكان في العالم)!! على حد التعبير السوفيتي!! فقد قال بريجنيف، في خطاب له، في إجتماع زعماء حلف وارسـو، ببراغ، عام 1973، أنه في منتصف الثمانينات سيكـون الإتحـاد الســوفيتي في موقع يســمح له (بفرض إرادته، بكل حزم، ليس فقط على أوربا الغربية، لكن في أي مكان في العالم حيث تتواجد مصالح الشعب السوفيتي) وشرح بريجنيف ذلك بقوله: (أنه في العام 1985 سيكون الإتحاد السوفيتي قد إنتهي من تشييد وتسليح قواعده الصاروخية التي تستطيع أن تنال من القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في أي بقعة في العالم، وفي العام ذاته تكون موسكو قد أتمت برنامج التسليح النووي، في الأرض، والبحر، والجو، الأمر الذي يجعل منها القوة العسكرية العظمي في العالم دونما منازع.. لكن قبل منتصف الثمانينات سيكون الإتحاد السوفيتي قد تمكن من تعزيز نفوذه، ووجوده في دول العالم الثالث، ومناطق النفط الحيوية، مستغلا في ذلك الشلل الذي سيصيب، وأصاب فعلا، الولايات المتحدة بعد حرب فيتنام) وقال بريجنيف أيضا في ذلك الخطاب: (إن على الإتحاد السوفيتي في الأعوام الباقية من السبعينات السعي بكل جهد لتشجيع جو المهادنة بين الشرق والغرب حتى يتم له الإنتهاء من إستعداداته)!! مجلة الحوادث البيروتية 18 يناير 1980.
هذه هي إستراتيجية السوفيت في السبعينات والثمانينات.. والأحداث العالمية، والتوسع المطرد في خريطة النفوذ السوفيتي على حساب دول العالم الثالث إنما تؤكد مضي السوفيت في تنفيذ هذه الإستراتيجية الخطيرة بكل دقة، وجرأة.. لاحظ إهتمام السوفيت (بمناطق النفط الحيوية)!! كما لاحظ هدف الإستراتيجية في المدي البعيد، من فرض الإرادة السوفيتية على (أي مكان في العالم)، فلم يستثن السوفيت بلدا!! وذلك ليس دفاعا عن (الأممية الشيوعية)، أو (الثورة البروليتارية العالمية)، أو (الإشتراكية العالمية) كما هي الشعارات السوفيتية المعلنة، وإنما لتحقيق (مصالح الشعب السوفيتي)، كدولة، على حد تعبير بريجنيف!! وهي في الحقيقة مصالح إستعمارية قديمة نشأت منذ عهد الإمبراطورية الروسية القيصرية، كما رأينا.
و عن إستغلال السوفيت لجو الوفاق الدولي بين المعسكرين، والذي يسميه بريجنيف (جو المهادنة بين الشرق والغرب)، في توسيع النفوذ السوفيتي يقول (برنوماريوف) العضو المناوب في مجلس السوفيت الأعلي، في مقال سمحت السلطات السوفيتية بنشره بعد عام 1975: (إن الموقف أصبح مواتيا تماما للإتحاد السوفيتي لأن ينقل نضاله من أجل الشيوعية من الدول التي كانت رازحة تحت أغلال الإمبريالية إلى الدول المتقدمة صناعيا... هذا التطور تحقق من خلال الوفاق، والتفوق النووي)!!
وفي وجه هذا الخطر السوفيتي الماثل كانت أمريكا وبريطانيا قد سعتا لإقامة أحلاف عسكرية دفاعية مع دول الشرق الأوسط، لحماية هذه الدول أمام الزحف السوفيتي، ولحماية مصالح الدول الغربية البترولية والعسكرية، في نفس الوقت.. ولكن هذه المساعي التي بدأت منذ عام 1950 قد باءت بالفشل نظرا لتأثير موسكو على بلدان المنطقة، وخاصة البلدان العربية بزعامة مصر، التي عارضت تلك الأحلاف، وأعتبرتها أحلافا أستعمارية!! ولم تسفر تلك المساعي إلا عن إنشاء حلف بغداد عام 1955، والذي تحول بعد خروج العراق منه عام 1958 إلى الحلف المركزي الضعيف الذي يضم إيران، وتركيا، وباكستان وبريطانيا بالتعاون مع أمريكا. وكان فشل تلك المساعي انتصارا للدبلوماسية السوفيتية التي استغلت النزاع العربي الإسرائيلي في توسيع النفوذ السوفيتي بين الدول العربية.. وليس (مبدأ كارتر)، الذي تبلور عقب احداث افغانستان الأخيرة، في الحصول على التسهيلات العسكرية لدي دول المنطقة المناوئة للنفوذ السوفيتي (تركيا، الصومال، كينيا، عمان، مصر، باكستان)، واعادة تسليحها تسليحا متطورا الا بمثابة احياء (لمبدأ دالاس) في أوائل الخمسينات، في اقامة الأحلاف والقواعد لوقف الزحف السوفيتي.
و لم يقتصر الشعور المتزايد بخطر التوسع السوفيتي على امريكا، ودول اوربا الغربية، واليابان، وحدها، وإنما امتد إلى الصين الشيوعية نفسها!! فلم يجيء التقارب الأمريكي الصيني، مؤخرا، الا نتيجة لهذا الشعور المشترك بخطر السياسة السوفيتية التوسعية على مصالح وامن الدولتين، في إطار مصالح، وامن، دول العالم قاطبة.. فقد صرح مساعد وزير الدفاع الأمريكي (إن السوفيت أجبرونا، نحن والصينيين على إتخاذ وضع مشترك بتنا نري فيه العالم بنفس النظرة) الصياد 18/1/1980. ويشير المراقبون إلى ان البلدين إتفقا على زيادة مقدرة باكستان الدفاعية، وتزويد الثوار الأفغان بالسلاح، ويشير المراقبون إلى أن التعاون الأمني بين البلدين، في المدي البعيد، ربما امتد إلى بيع السلاح الأمريكي المتطور للصين، ومدها بالخبراء في التكنلوجيا العسكرية!! كل هذه الخطوات الواسعة المفاجئة في التعاون العسكري بين البلدين، برغم العداء التقليدي بينهما، إنما تنبيء عن فداحة الخطر الذي يتهددهما، ويتهدد العالم قاطبة من سياسة السوفيت التوسعية!! وقد صار الصينيون يصرفون اصطلاح الإمبريالية إلى السوفيت بأكثر مما يصرفونه إلى الأمريكان!! وينسب كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي السابق، إلى ماو تسي تونج قوله لنيكسون، الرئيس الأمريكي السابق، في زيارته للصين (بعدم فاعلية امريكا في مقاومة التوسع السوفيتي)!! ويخفي السوفيت أحيانا، اتجاهاتهم للهيمنة بشعارات ايدولوجية بادية الزيف، ومن ذلك قول بريجنيف، في خطاب له، في وارسو، في صيف 1968: (إن من واجب الإتحاد السوفيتي، ومن حقه، التدخل ليس فقط في أي دولة شيوعية من دول الكتلة الشرقية الأوربية، بل وأيضا في اية دولة اشتراكية إذا ما حاولت قوي الإمبريالية، او قوي الراسمالية والرجعية البرجوازية أن تحولها عن طريق الإشتراكية)!! فهو يتهم أية محاولة للخروج على الهيمنة السوفيتية، من أي دولة خضعت لهذه الهيمنة في يوم من الأيام، بتهمة التحول عن طريق الإشتراكية، وبالتواطؤ مع (قوي الإمبريالية) الخارجية!! وذلك حتى يبرر التدخل السوفيتي العسكري لإخضاعها مرة أخري!! فحركة التحرر التي ظهرت في تشيكوسلوفاكيا عام 1968، والتي قمعها السوفيت بالغزو السافر، لم تستهدف العودة إلى الطريق الرأسمالي وإنما استهدفت تطوير الإشتراكية الماركسية بما يناسب الظروف المحلية، وكذلك كان قمع السوفيت لتمرد المجر عام 1956. ويرقب السوفيت اليوم تغير الأوضاع في يوغسلافيا بموت زعيمها تيتو المسن، حتى يعيدوها إلى حظيرة حلف وارسو مرة أخري، بعد تمردها على الهيمنة السوفيتية عام 1949.