الدستور الإسلامي
والإسلام، فيما مضى، لم يطبق الاّ في مستوى العقيدة، حيث يقع، في شريعته، التمييز بين المواطنين على أساس العقيدة، ومن ثم فليس في تلك الشريعة دستور، لأنه ليس فيها حقوق أساسية.. وحين تطبق البشرية، في مقبل أيامها، الإسلام في مستواه العلمي، فسيكون الحكم ديمقراطيا، وسيكون هناك دستور عمدته أصول القرآن.. غير أنه لن يكون دستورا إسلاميا، بمعنى الإسلام في مستواه العقيدي، وانما سيكون دستورا انسانيا، يقوم على الحقوق الثابتة للإنسان، من حيث هو انسان، فيساوي بين المواطنين، مسلمهم، وغير مسلمهم، في هذه الحقوق.. وفي ظل هذا الدستور فإن شروط الأهلية لتولي المناصب العامة، مثلا، ليست شروطا تتعلق بالعقيدة، وانما هي شروط انسانية قوامها كمال الخلق، وصفاء الفكر.. فعقيدة الفرد هي منهجه الشخصي في الحياة الذي يتخذه لرفع كفايته الفكرية، والخلقية.. وعلى أساس من الكفاية الفكرية، والخلقية، يقع التمييز بين المواطن والمواطن في مضمار هذه الأهلية.. ولن يضير المسلمين شيء من ذلك، وهم يعلمون، عن تجربة وممارسة، أن منهج الحياة الإسلامي في العبادة، وفي المعاملة، هو المنهج الأمثل لخلق المواطن الحر الذي يمارس حريته في القول والعمل، ويتحمل مسئولية خطئه وفق القانون، وأن هذا المنهج ليبلغ بالمواطن منازل الحرية الفردية المطلقة، وأنه ليؤهله ليحسن التصرف في هذه الحرية بحيث لا يكون للقانون عليه من سبيل.. ذلك لأنه ملتزم بشريعة فردية هي بالنسبة للشريعة الجماعية منطقة أخلاق في غاية الرفعة.. فتكون الدعوة الي الإسلام اذن انما هي أساسا برفع الفرد المسلم كنموذج فكري وخلقي يغري غير المسلمين بالاقتداء به.. ذلك بأنه في هذا المستوى من الدعوة لا فرصة لغير الاقناع: ((لا اكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي))..
تطوير التشريع الإسلامي.. لماذا؟؟
لا يفرق ((الفقهاء)) بين الشريعة والدين، وانهم بذلك ليقعون في خلط ذريع، يشكل تعويقا أساسيا لبعث الإسلام، وأحياء السنة.. وما يقال في هذا الباب أن الشريعة ليست هي الدين، وانما هي المدخل على الدين – هي الطرف القريب من أرض الناس الذي تدلى من الدين لتنظيم حياتهم وفق طاقاتهم وحاجتهم، فالشريعة الإسلامية الموروثة ليست هي الكلمة الأخيرة في أمر التشريع في الإسلام.. اذ كان المجتمع الذي شرعت له ذا طاقات محدودة، وحاجات بسيطة، ومن ههنا، دعوتنا الي تطوير التشريع الإسلامي ليخدم الحاجات والطاقات الهائلة لمجتمع القرن العشرين..
والحكمة في تطوير التشريع انما تلتمس، أول ما تلتمس، في التوحيد، ذلك بأن كل ما عدا الذات الالهية انما هو خاضع لسنة التطور.. والتشريع من باب أولى.. لأنه انما يجيء لتلبية، وتنظيم، حاجات، وطاقات، الانسان.. وتلك حاجات، وطاقات، متجددة تجدد الحياة نفسها في سيرها تحت قهر الارادة الالهية من الاستيحاش الي الاستئناس.. والتشريع انما يساير تقدم الانسان من قصوره الي نضجه، حيث يتمتع بالحرية الكاملة والمسئولية الكاملة..
والبعث الديني، حينما يجيء، انما يجيء فيجد المجتمع البشري وقد كون شتى الأعراف التي تقوم عليها حياته، والتي تقف الارادة الالهية الخفية خلف تكوينها.. ومن هذه الأعراف ما هو باطل، ومنها ما هو حق.. فيعمد البعث الديني الي محو هو باطل من هذه الأعراف، واثبات ما هو حق منها، ثم التسامي بالأعراف المحققة لغرض الدين الي قمة جديدة في التوحيد.. فليس هناك باطل مطلق في الوجود، والله تعالى انما يسيرنا، وفق ارادته، بثنائية الخير والشر حتى يبلغ بنا باحات الخير المطلق..
ولقد قطعت البشرية شوطا بعيدا في التطور في مدى الأربعة عشر قرنا الماضية، وكونت شتى الأعراف التي تتمشى مع مراد الدين من تحقيق كرامة الانسان.. وفي قمة هذه الأعراف ما حققه الانسان عبر صراعه الطويل من أجل حريته وكرامته مثل الانجازات العظيمة التي تمخضت عن النص على حقوق الانسان في المواثيق الدولية، وفي الدساتير القومية.. هذه على سبيل المثال.. وحينما يجيء البعث الإسلامي اليوم بعد أن سارت الحياة العامة، بعيدا عن ظل الشريعة الإسلامية الموروثة، لعدة قرون، حققت أثناءها العديد من الانجازات، فانه لابد لذلك البعث الإسلامي أن يتخذ تلك المنجزات العظيمة التي تحققت في سبيل كرامة الانسان وحريته، بناء تحتيا له يقيم عليه بناءه الفوقي لتحقيق القدر الأكبر من كرامة الانسان وحريته.. فالدستور ((العلماني)) الذي ينص على الحقوق الأساسية انما يقترب خطوات من الدستور كما هو في أصول القرآن بينما تقصر الشريعة الموروثة عن الوفاء بتطلعات الانسان المعاصر والتي لم تعد وافية بها تماما الاّ أصول القرآن.. وكمال الشريعة ليس في بقائها جامدة على صورة واحدة، وانما في مقدرتها على التطور لاستيعاب قدرات الانسان وتطلعاته الجديدة.. وفوق ذلك فإن الشريعة، مهما بلغت من السموق، والتسامي، انما هي، في نهاية المطاف، وسيلة لتحقيق كرامة الانسان.. بل ان إنزال القرآن، وارسال الرسل، انما هو أيضا وسيلة الي هذه الغاية العظيمة.. والعيب ليس في الشريعة الموروثة التي خدمت مرحلتها التي شرعت لها أتم خدمة، وانما العيب هو عيب المحاولات القاصرة التي تريد أن تنقلها، بكل صورها، وهي في مستوى الوصاية، لتحل مشكلات مجتمع شبّ عن هذا المستوى، فاستأهل أن يشرع له في مستوى الحرية، والمسئولية..