وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

محطات في مسيرة الفكرة الجمهورية

الريح حسن خليفة


كلمة ألقيت في الذكرى ٤١ - ١٨ يناير ٢٠٢٦

المحطة الثامنة:


مشكلة الجنوب: لقد اهتم الأستاذ بمشكلة الجنوب منذ نشأة الحزب، وقد تعمق بحثها واقترح لها الحل الجذري.. وكان اقتناعه تاماً بأن حل مشكلة الجنوب في حل مشكلة الشمال.. فالشمال والجنوب لا تحل مشكلتهما إلا بالمذهبية التي توحد، مشاعر الشعب وتوحد أفكاره.. واقتراح الحكم اللامركزي الفدرالي ليس للجنوب فحسب، بل لأقاليم السودان الخمسة وجاء هذا في كتاب "أسس دستور السودان" بتاريخ 1955. مشكلة الجنوب، في حقيقتها، إنما هي مشكلة حضارية.. وهي في ذلك نموذج للمشاكل الموجودة في عديد المناطق، في عالمنا اليوم.. فقد ظلت الاختلافات في العقيدة، أو العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو الثقافة، تشكل الأسباب الأساسية للصراع بين البشر عبر تاريخ البشر.. وإنما كان ذلك كذلك بسبب القصور، وقلة الوعي، والبعد عن القيم الإنسانية.. وعندما تأتي مرحلة الرشد، والمسئولية تتوكد القيم الإنسانية، ويلتقي الناس فيما يجمع بينهم، وليس فيما يفرقهم ـ يلتقون في العقل، والقلب، أو قل في الفكر والخلق، ويصبح كل فرد بشري هو غاية في ذاته، وتوظف كل الوسائل لتحقيق إنسانية الإنسان، وتزول كل أسباب الخلاف، والصراع، القديمة. هذا هو المستوى الحضاري الذي كان يقول به الأستاذ وابناؤه كاقتراح لحل مشكلة الجنوب. ولكن لا حياة لمن تنادي.