وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..
المجتمع الجمهوري: وتطبيقا لقول الأستاذ أن الدعوة إلى الدين تبدأ من الداخل؛ بأن يدعو الإنسانُ نفسَه أولًا، فإذا استجابت له أمكنه أن يدعو غيره. وانطلاقًا من هذا الفهم، ووفاءً له، أسس الأستاذ محمود مجتمعًا نموذجيًا كان يرعاه بنفسه، وكانت لائحته الداخلية هي "طريق محمد". ولهذا تميز هذا المجتمع بقدر كبير من السلامة الأخلاقية، ونجا من كثير من العيوب السلوكية التي أصابت غيره من المجتمعات. ولا حاجة هنا للإسهاب في تعداد فضائله، فالقصد هو إبراز المنهج لا استعراض النتائج. وقد ظل الأستاذ يؤكد في كل محاضراته أن أزمة الإنسان المعاصر هي في أصلها أزمة أخلاق، وأنه ما لم يُصلَح الفرد أولًا، فلن يُصلَح المجتمع، ولن يتحقق تقدم ولا أمن ولا سلام. وقد وُجِّه هذا القول تحديدًا إلى المفكرين والسياسيين وقادة الأحزاب، باعتبار أن أقصر وأنجع طريق للإصلاح هو البدء بالإنسان الفرد، لكنهم — في الغالب — اختاروا الطريق الأسهل: طريق الكثرة العددية دون اعتبار للكيف.
ومن هنا، في تقديري، جاء فشل الحكومات التي أعقبت الثورات الشعبية العظيمة؛ لأنها سعت إلى تغيير البنية السياسية قبل أن تعنى ببناء الانسان.